أفكين الناس فالْمُرَاد البقاء عَلَى ذلك، فالْمَعْنَى يبقى عَلَى الإفك من أفك النَّاس الخ. وهذا
جار في القراءة الأُولى أَيْضًا وما ذكر فيها من المُبَالَغَة فالظَّاهر أنها ممكن هنا فلا [تغفل] .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ(10)
قوله: (الكذابون) لأن الخرص التخمين ثم تجوز به عن الكذب واشتهر فيه حتى
صار كأنه حَقيقَة.
قوله: (من أصحاب الْقَوْل المختلف) بيان للكذابين خصصهم بالذكر لكونه مناسبًا
لما قبله وإلا فهو عام لهم ولغيرهم من الكذابين، ولو أريد العموم لا يختل الارتباط
لدخولهم فيه دخولًا أوليًّا.
قوله: (وأصله الدعاء بالقتل أجري مجرى اللعن) ويحتمل أن يكون قتل باقيًا عَلَى
معناه؛ إذ الْمَاضي من البليغ يحتملهما أجري مجرى اللعن؛ إذ الْمَعْنَى الحقيقي ليس بمراد
هنا بل الْمُرَاد الدعاء بالطرد عن الرحمة كأنه قيل: لعن الخراصون لكن في التَّعْبير
الْمَذْكُور مُبَالَغَة.
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ(11)
قوله: (في جهل يغمرهم) أي محيط لهم إحاطة الماء مما فيه شبه الجهل بالماء في
الشمول والإهلاك فذكر المشبه به وأريد المشبه.
قوله: (غافلون عما أُمرُوا به) لكونهم في جهل عظيم؛ إذ تنكير غمرة للتعظيم.
(ساهون) خبر بعد خبر والخبر الأول كالعلة له وأريد المُبَالَغَة في الأول
حيث عبر بأنهم مُسْتَقرّ في غمرة مستغرق فيه، ففي لفظة في اسْتعَارَة تبعية بخلاف الثاني
حيث لم يجئ في سهو لرعاية الفاصلة.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ(12)
قوله: (أي ويقولون متى يوم الْجَزَاء. أي وقوعه وَقُرئَ «إيَّانَ» بالكسر) متى يوم الْجَزَاء
اسْتهْزَاءًا وإنكارًا. صيغة الْمُضَارِع لحكاية الحال الْمَاضية أو للاسْتمْرَار. قيل إشَارَة إلَى أن
يسألون ضمن معنى الْقَوْل ولا حاجة إليه؛ إذ السؤال عبَارَة عن قول مَخْصُوص. قوله: متى
يوم الجزاء بيان حاصل قوله وقوعه تنبيه عَلَى أن فيه مضافًا مقدرًا أقيم الْمُضَاف إليه مقامه
لأن اسم الزمان إنما يقع ظرفًا وخبرًا للحدث لا للزمان، وإلا لكان للزمان زمان و «إيَّانَ»
بالكسر لغة في أيان المفتوحة.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ(13)
قوله: (يحرقون) لأن أصل معنى الفتنة إذابة الجواهر ليظهر غشه ثم استعمل في
الإحراق والتَّكْذيب وغيرهما والْمُنَاسب هنا الإحراق.