أَيْضًا كمال ضعف الْقَوْل بأن الْمُرَاد قتل قابيل الخ. وأشار الْمُصَنّف إلَى رجحان الأول في بيان
الْمَعْنَى وضعف الثاني حيث لم يلتفت إلَى معنى يناسبه الفشو بوزن عتو الظهور والانتشار.
قوله: كان لفشو الشرك وغلبته حيث قال تَعَالَى: (كان أكثرهم مشركين) فهلاك
غير الْمُشْركينَ بشرك المشركين أيضًا كقَوْله تَعَالَى ،(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ
خَاصَّةً)الآية .
قوله: (أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم) أو كان الخ.
أي سوء العاقبة للشرك في أكثرهم. قوله ولما دونه عطف عَلَى الشرك أي كان سوء العاقبة
لما دون الشرك من المعاصي في قليل منهم فهلاك غير الْمُشْركينَ بمعاصي أنفسهم لا بشرك
المثحركين أخَّره ؛ إذ الْكَلَام في المشركين وكون إشراكهم سببًا لسوء العاقبة حيث قال تَعَالَى:
(هل من شركائكم) الآية، ولك أن تقول: الْمُرَاد بأكثرهم جميعهم فيكون
هلاكهم بالشرك أَجْمَعينَ .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ(43)
قوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) قد مَرَّ توجيه الْمَعْنَى .
قوله: (البليغ في الاستقامة) القيم فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم
ومن المستقيم باعْتبَار البنية أي الزنة، وعن هذا قال الْمُصَنّف البليغ في الاستقامة أي ليس
فيه عوج أصلًا وفيه اسْتعَارَة مصرحة تشبيهًا للمعقول بالمحسوس .
قوله: (لا يقدر أن يرده أحد) قد مَرَّ غير مرة أن الْمُرَاد في مثله نفي القدرة لا نفي
الْفعْل مع القدرة فإنه لا يصح في مثله .
قوله: (وقوله:(من الله) متعلق بـ يَأْتِيَ) قدمه لخلوه عن التَّكَلُّف .
قوله: (ويجوز أن يتعلق بـ مَرَدَّ لأنه مصدر على معنى لا يرده الله تَعَالَى) أي مصدر
ميمي يعمل في الجار والمجرور ونحوه .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو كان [الشرك في أكثرهم وما] دونه من المعاصي في قليل منهم. لما بينت هذه الجملة
الاسْتئْنَافية علة هلاك أكثرهم، والحال أن الآية المتقدمة دلت عَلَى أن هلاك كلهم معلل بالمعاصي
بقرينة الحث عَلَى السير لينظروا آثار هلاكهم بسَبَب المعاصي فلا يعملوا بما عملوه من الآثام
المستوجبة للهلاك دلت هذه الْجُمْلَة عَلَى أن هلاك قليل منهم لمعاصٍ دون الإشراك كما قال
صاحب الكَشَّاف ودل بقوله (كان أكثرهم مشركين) عَلَى أن الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم وإن
ما دونه من المعاصي يكون سببًا لذلك .
قوله: وقوله من الله متعلق بـ يَأْتِيَ فيكون الْمَعْنَى من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد
كقوله: (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا) ويجوز أن يتعلق بـ مَرَدَّ عَلَى معنى لا يرده الله بعد أن
يجيء به ولا رد له من جهته، والوجه الأول أبلغ لإطلاق الرد وتفخيم اليوم بأن إيتاءه من جهته ملك
عظيم قادر ومن جانب سلطان قاهر .