الشيخ عبد القاهر أنها في مثل هذه المواقع تقع موقع الفاء وتغني غناءها وجعلها بعضهم
من قبيل الإيماء نظرًا إلَى أنها لم توضع للتعليل انتهى. وإنما وقعت في هذه المواقع لتقوية
الْجُمْلَة التي يطلبها المخاطب ويتردد فيها ويسأل عنها ودلالة الْجَوَاب عَلَى العلية إيماء لا
صريح. وبالْجُمْلَة كلمة إن مع الفاء أو بدونها قد تورد في أمثلة الصريح، وقد تورد في أمثلة
الإيماء ويعتذر عنه بأنه صريح باعْتبَار إن والفاء وإيماء باعْتبَار ترتب الحكم عَلَى الوصف
انتهى. وميل الْمُصَنّف هنا إلَى الْقَوْل بالإيماء .
قوله: (كأنه قيل لا تحزن بقلوبهم) ذكر الْقُلُوب للتأكيد مثل أبصرت بعيني والحزن
وهو خشونة النفس لما يحصل من الغم ضد الفرح أمر غير اختياري فالنهي عنه نهي عن
أسبابه أو عن العمل بمقتضاه أو الأمر بازالته بمزاولة أسباب ضده ؛ إذ النهي عن الشيء أمر
بضده، وفي كلامه تنبيه عَلَى أن نهي الْقَوْل عن إلقاء الحزن كناية عن نهي النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
عن الحزن وما وقع في كلامه من (لا تحزن) لازم من باب علم وما وقع في كلامه تَعَالَى من
قوله: (ولا يحزنك قولهم) متعد من باب نصر .
قوله: (ولا [تبال] بهم) كأنه اختيار منه أن النهي عن الحزن الاضطراري نهي عن العمل
بمقتضاه وهو الظَّاهر .
قوله: (لأن الغلبة لله جَميعًا لا يملك غيره شَيْئًا منها) تصوير لحاصل الْمَعْنَى لا إشَارَة
إلى تقدير اللام لما قال العلامة في التلويح تعريضًا عَلَى صاحب التوضيح، وأما ما ذكره في
تعليل أن من احتمال كونها عَلَى حذف اللام فبعيد لأنه إنما يكون في أن بالفتح شَيْئًا أي من
العزة إلا بتمليك الله تَعَالَى إياها فلا ينافيه قوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)
الآية. ثم إن في كلامه إشَارَة إلَى أن العزة هنا بمعنى الغلبة ولها معان كثيرة
لا تناسب هنا .
قوله: (فهو يقهرهم) إما إشَارَة إلَى أن المقصود من إخبار الغلبة للَّه جَميعًا إخبار
قهرهم أو إشَارَة إلَى ما يترتب عَلَى ذلك الْإخْبَار ونتيجته، وفيه تأييد لما ذكرناه من أن
الظَّاهر كون الْمُرَاد بالْقَوْل في (ولا يحزنك قولهم) تهديد الرَّسُول عليه
السلام ؛ إذ التعليل يلائمه أشد الملائمة (وينصرك عليهم [هُوَ السَّمِيعُ] ) لأقوالهم ( [الْعَلِيمُ] بعزماتهم) .
قوله: (فيكافئهم عليها) أي عَلَى أقوالهم ونياتهم. فيه تنبيه عَلَى أن السمع والعلم والْإخْبَار
عنهما مجاز عن الْمَجَاز، ثم من الغرائب أنه جعل ابن قتيبة أن العزة بدلًا عن قولهم فرده
الزَّمَخْشَريّ بأنه مخالف للظَاهر لأن هذا الْقَوْل يسره والْمُصَنّف سكت عنه لظهور ضعفه ومنهم
من تصدى لتوجيهه بأنهم يقولون تعريضًا بأنه لا عزة للْمُؤْمنينَ، ولا يخفى ركاكته .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)
قوله: (من الْمَلَائكَة والثقلين) الأول إشَارَة إلَى من في السَّمَاوَات والثاني إلَى من في