فتصلون إلَى البغية البهية، وقد مَرَّ غير مرة أن لعل في مثل هذا اسْتعَارَة تمثيلية والتَّفْسير بكي
هو الإشَارَة إلَى حاصل الْمَعْنَى .
قوله: (في الدلائل والأحكام) المدلول عليها للدلائل أما التفكر في الدلائل للعلم
بالأحكام، وأما التفكر في الأحكام للأخذ بما هُوَ أنفع لكم والعمل بما هُوَ أحسنها من
العزيمة والرخصة حسبما يقتضيه الأحوال من الأفعال قال تَعَالَى:(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ)الآية. أو للأخذ للمأمور به وترك المنهي عنه (فِي الدُّنْيَا والْآخرَة) متعلق
بـ يبين بتقدير الْمُضَاف كما أشار إليه بقوله في أمور الدارين أو متعلق بمَحْذُوف وقع حالًا من
الآيات أي يبين الله لكم الآيات كائنة فيهما. أي في الأحوال المتعلقة بهما والمآل واحد، وقد
جوز الزَّمَخْشَريّ أن يتعلق بقوله: (تَتَفَكَّرُونَ) أَيْضًا فـ [حِينَئِذٍ] لا يقدر في
الدلائل والأحكام وإذا تعلق بقوله: (تَتَفَكَّرُونَ) لا بد من تقدير مضاف
أَيْضًا أي تَتَفَكَّرُونَ في أحوال الدُّنْيَا والْآخرَة، ولم يلتفت إليه المص ؛ إذ المتداول اعتبار التفكر
في الدلائل والأحكام لوصول الحق بطَريق الاستحكام .
قَوْلُه تَعَالَى: (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ
فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
قوله:(في أمور الدارين فتأخذوا بالأصلح والأنفع فيهما، وتجتنبون عما يضركم ولا
ينفعكم، أو يضركم أكثر مما ينفعكم)وتجتنبون عَمَّا يضركم وهو الأحكام المنهية أو يضركم
أكثر مما ينفعكم ناظر إلَى قَوْله (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) .
قوله: (لما نزلت(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا) الآية
اعتزلوا اليتامى ومخالطتهم والاهتمام بأمرهم فشق ذلك عليهم، فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنزلت)
أخرجه أبو دَاوُود والنَّسَائي والحاكم وصححه من حديث ابن عبَّاس - رضي الله تَعَالَى عنهما -
اعتزلوا اليتامى. أي عن اليتامى وعن إقامة أمورهم. فشق ذلك الاعتزال عليهم. أي عَلَى
اليتامى لعجزهم عن إدارة أمورهم وعدم من يقوم بأحوالهم لاعتزال النَّاس عنهم بالمرة
وإرجاع الضَّمير إلَى من يترك العزلة لشفقتهم عَلَى اليتامى ضعيف ، وإن كان صحيحا. نقل
عن الزجاج أنه قال: كان النَّاس يظلمون اليتامى فيتزوجون منهم العشرة ويأكلون أموالهم
فشدد عليهم في أمر اليتامى [تشديدًا خافوا] معه التزوج باليتامى ومخالطتهم فأعلمهم اللَّه أن
الإصلاح لهم خير الأشياء وأن مخالطتهم في التزوج مع تحري الإصلاح جائزة .