للتحقير واخْتيرَ صيغة الْمُضَارِع في المحبة المفيدة للاسْتمْرَار والإصرار وعبر بالمحبة دون
الإرادة كما هُوَ الْمُنَاسب لقوله: (ويذرون) للتسجيل عَلَى فرط غباوتهم
وشدة شكيمتهم حيث آثروا الفانية بالمحبة المفرطة عَلَى الباقية الصافية، والْمُرَاد بما أمر به
ذكر أن تَعَالَى والصلاة والتهجد، والْمُرَاد بما نهى عن إطاعة الآثِم أو الكفرة الشاملة لجميع
المنهيات فهو نشر غير مرتب. وحاصله واجتنب عن جميع المنهيات واشتغل بجميع المأمور
به خلاف الكفرة الفجرة لأن هَؤُلَاء يرتكبون جميع المنكرات وَيَذَرُونَ جميع المأمورات
لحبهم الدُّنْيَا العاجلة لعدم إيمانهم بالدار الباقية فالمحبة كناية عن انهماك الشهوات وإتيان
المنكرات قوله: (وَيَذَرُونَ) عبارة عن عدم الاعتقاد بالْآخرَة فهو كالعلة
لما قبله فهو من عطف العلة عَلَى المعلول، وإنما قال كالتعليل الخ. لعدم كونه علة صريحًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا(28)
قوله: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ) تقديم المسند إليه للحصر أي نحن
خلقناهم لا غيرنا انفرادًا أو اشتراكًا.
قوله: (وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب) أي الأسر في اللغة الشد والربط فقوله
وأحكمنا معنى شددنا. قوله ربط مفاصلهم معنى أسرهم بتقدير الْمُضَاف بقرينة أن الربط
متعلق بها ومن شأنها. قوله بالأعصاب بيان ما يربط به دل عليه الربط التزامًا كما دل عَلَى
المفاصل كَذَلكَ.
قوله: (وإذا شئنا أهلكناهم) نبه به عَلَى أن مَفْعُول شئنا الإهلاك الدال عليه (بَدَّلْنَا) إذ
التبديل يستلزم الإهلاك، أو مَفْعُوله التبديل كما هُوَ الْمَشْهُور في مثله نحو قَوْلُه تَعَالَى:(ولو
شاء لهداكم)أي ولو شاء هدايتكم وما ذكره المص حاصل معناه لكن قوله
وبَدَّلْنَا بالواو ويؤيد الوجه الأول.
قوله: (وبَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ [تَبْدِيلًا] . في الخلقة، وشدة الأسر) أشار به إلَى أن الْمُرَاد بالأمثال أنفسهم
والتَّعْبير بالأمثال لكونهم أمثالهم في الخلقة ثانيًا بعد الإهلاك وكونهم ترابًا وعظامًا، وهذا
يؤيد الْقَوْل بأن الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة، ولا يلائم الْقَوْل بإعادة المعدوم بعينه. قوله
وشدة الأسر أي قوة مفاصلهم بالأعصاب وفيه بيان لكونهم أمثالهم في الخلقة الثانية.
قوله: (يعني النشأة الثانية) الأخرى فحِينَئِذٍ يكون قوله: (نحن خلقناكم)
مع ظهوره لإثبات النشأة الأخرى كما مر غير مرة لأن قَوْلُه تَعَالَى:
(وَيَذَرُونَ) الخ. بيان أنهم ينكرون يومًا ثقليلًا ولذلك آثروا الحياة الدُّنْيَا
فردهم الله تَعَالَى بالإشَارَة إلَى برهانه وأثبته بما هُوَ معلوم عندهم فظهر اتصاله بما قبله
وعطف إذا شئنا عليه يؤيده وترك العطف لكونه دليلًا لما قبله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
اسْتئْنَاف واقع جواب لما عسى يسأل ويقال: عن علة أمر الرَّسُول عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بالذكر
والتسبيح وعلة نهي الإطاعة للآثِم والكفور.