تسمية الأنثى في النظم ليس عَلَى التشبيه فيكون التقدير يسمون الْمَلَائكَة أنثى بتسميتهم
بنات الله فإن قولهم: الْمَلَائكَة بنات الله قول منهم بأن كل واحد واحد بنته تَعَالَى وهي
تسمية الأنثى فإن حكم الكل المجموعي مستلزم عَلَى الحكم عَلَى كل واحد واحد في
مثل هذا كقولهم: كسانا الأمير حلة أي كسا كل واحد منا حلة، وأما إذا أريد التشبيه فلا
يحتاج إلَى هذا التمحل، ولو قيل اللام في الْمَلَائكَة للجنس تبطل معنى الجمعية فيكون
كالمفرد المستغرق ويؤيده أنه لم يتعرض لتأويل الأنثى بالإناث بأن يقال: إنه جنس
يحتمل القليل والكثير، والْمُرَاد هنا الكثير، واختار الأنثى دون الإناث لرعاية الفاصلة مع
إفادة ما أفاده لجمع جعل عدم إيمان الْآخرَة سببًا لهذه التَّسْميَة دون غيرها؛ لأن من
صدَّق بالْآخرَة خاف عقابها ولا يزال الخوف يحمله عَلَى النظر والتدبر في شأنه تَعَالَى
حتى يؤمن بأنه تَعَالَى منزه عن اتخاذ الولد وسائر سمات النقص.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا(28)
قوله: (أي بما يقولون) وهو قولهم: الْمَلَائكَة بنات الله تَعَالَى وأنهم أنثى، فالتذكير
باعْتبَار التأويل بما يقولون إن جعل المرجع التَّسْميَة، والْجُمْلَة حال من فاعل يسمون أي
يسمون تسمية الأنثى حال كونهم [غير عالمين] بما يقولون أي في حال ينافي ذلك.
قوله: (وقُرئَ بها أي بالْمَلَائكَة) أي بشأنها وما يَنْبَغي لهم حتى تقولوا تلك الترهات.
قوله: (أو التَّسْميَة) أي مضرتها فإنهم لو علموها لما اجترءوا عليه فلا جرم أن ذلك
عن جهل مفرط وتقليد مفسد، وإلى ذلك أشار بقوله: (إن يتبعون إلا الظن)
أي التوهم الباطل فإن الظن في مثله ليس بمعنى الطرف الراجح بل الطرف المرجوح كما
نبَّه عليه آنفًا.
قوله: (إن الظن) أظهر للتنبيه عَلَى المغايرة فإن الْمُرَاد به مطلق الظن وما سبق ظنهم.
وَأَيْضًا الْمُرَاد به الطرف الراجح المطابق للواقع وما مَرَّ الوهم الباطل، وحسن التعليل لأن
الظن المطابق إذا لم يغن من الحق شَيْئًا فالوهم الكاذب عدم إغنائه بالأولوية.
قوله: (فإن الحق الذي هُوَ حَقيقَة الشيء لا يدرك إلا بالعلم) فيه مسامحة، والْمُرَاد فإن
الحق الذي هُوَ المطابَق بفتح الباء للواقع لا يدرك. أي لا يوصل إلا بالعلم، أو لا يدرك
إدراكًا معتدًا به إلا بالعلم أي باعتقاد جازم مطابق للواقع.
قوله: (والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية) أي إذ الظن تعليل للحصر. قوله في
المعارف أي في المطالب التي يجب اليقين فيها وهي الاعتقاديات فالظن الغالب لا اعتبار
له في المعتقدات وإنما العبرة به في العمليات وهو دليل عَلَى ما ذكرناه من أن الظن في
قوله: (إن الظن) مغاير لما قبله وأن الْمُرَاد به الظن الغالب المطابق للواقع، وأما ظن الكفرة
الْمَذْكُور فوهْمٌ باطل لا اعتداد له أصلًا.