قوله: (بمعنى الَّذينَ جمعوا بين تكذيب الآيات وظلمهم أنفسهم) هذا الجمع متحقق
عطف أو لا؛ إذ التَّكْذيب لا يفارق الظلم، غاية الأمر أن في العطف تصريحًا بالجمع وهو
أدخل في الذم والتشنيع فلا مفهوم هنا.
قوله: (أو منقطعًا عنها بمعنى وما ظلموا بالتَّكْذيب إلا أنفسهم) أي غير مَعْطُوف
فحِينَئِذٍ جملة تذييلية أو مُسْتَأْنَفَة جواب سؤال.
قوله: (فإن وباله لا يتخطاها) أي عَلَى وجه الْكَمَال أو في الْآخرَة وإلا فقد يتخطاها
بحبس المطر بشؤم ذنوبهم وتَكْذيبهم قال عَلَيْهِ السَّلَامُ كما روى أنس - رضي الله تَعَالَى عنه -
"إنّ الحُبَارى لتموت [هَزْلاً] بذنب بني آدم".
قوله: (ولذلك قدم الْمَفْعُول) أي لإفادة الحصر قدم الْمَفْعُول عَلَى الْفعْل ولكون
القصر متضمنًا للإثبات والنفي. قال الْمُصَنّف: وما ظلموا بالتَّكْذيب الخ. وأما عَلَى الوجه
الأول فالتقديم لرعاية الفاصلة كذا قيل. لكن لا مانع في كونه للقصر هناك وفي كونه لرعاية
الفاصلة هنا بل لا مانع في الجمع بَيْنَهُمَا وسبب الظلم التَّكْذيب في الاحتمالين، وقد قيل
سبب الظلم غيره في الوجه الأول انتهى. والظَّاهر أن هذا سهو لا يخفى.
قَوْلُه تَعَالَى: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ(178)
قوله: (تصريح بأن الهدى والضلال من الله، وأن هداية الله تختص ببعض دون
بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء والإِفراد في الأول والجمع في الثاني باعْتبَار اللفظ. والْمَعْنَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بمعنى وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم. معنى القصر مُسْتَفَاد من تقديم الْمَفْعُول.
قوله: تصريح بأن الهدى والضلال من الله رد عَلَى المعتزلة في قولهم الضلال ليس من الله
لأنهم قَالُوا إنَّ اللَّهَ لا يضل عبده وحملوا الإضلال المسند إلَى الله في أمثال هذه الآية عَلَى الْمَجَاز
مرادًا به تمكينه العباد أن يفعلوا قبائح الْأَعْمَال بسببها يضلون عن الطريق السوي أو إعطاؤه المال
والمنال ومشتهيات الدُّنْيَا فصار ذلك سببًا للضلال فالإسناد عندهم إسناد إلَى السبب مَجَازًا.
قوله: وأنها مستلزمة للاهتداء. هذا الْمَعْنَى مُسْتَفَاد من جعل الاهتداء جزاء الشرط الذي هُوَ
الهداية فإن الْجَزَاء لازم للشرط.
قوله: والاقتصار في الْإخْبَار عمن هداه الله بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء يعني إن لمن
هداه الله صفات عالية ومناقب سنية مهدية إليها كالإيمان باللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم
والحج وغيرها مما يؤدي إليه الهداية ومن جملتها الاهتداء إلَى سبل الخيرات، فجاز أن يقال من
يَهْدي الله فهو الْمُؤْمن أو فهو المقيم للصلاة أو المؤتي للزكاة أو غير ذلك، لكن اخْتيرَ من بين
جميع ذلك لفظ المهتدي تعظيما لشأن الاهتداء. وجه إفادته التعظيم هُوَ أن من يرزق له الاهتداء
يتصف هُوَ بجميع ذلك لأن الشخص لا يكون مهديًا ما لم يأت بها فإن الاهتداء لازم هداية الله
تَعَالَى ومن هداه الله تَعَالَى يلزمه أن يفعل ذلك كله حتى يكون مهتديًا بخلاف ما لو قيل فهو
الْمُؤْمن أو فهو المصلي أو غير ذلك فإنه لا يدل عَلَى اتصاف المهدي بجميع الطاعات وإتيانه بها
والحاصل أن الاهتداء جامع لجميع أعمال الخير بخلاف ذكر خصوصيات الأفعال