قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
مُبِينٌ (60)
قوله: (من جملة ما يقال لهم تقريعًا وإلزامًا للحجة، وعهده إليهم) لكن ترك العطف
لأنه أمر آخر مستقل بحياله مع أنه إنشاء ظاهرًا وإن كان خبرًا باطنًا، ولم يتعرض كون قوله
تَعَالَى: (وامتازوا) من جملة ما يقال لهم مع أنه كَذَلكَ لظهوره، وأما التعرض
له هناك فللتمهيد لقوله تقريعًا الخ. للإشَارَة إلَى أن الاسْتفْهَام لإنكار النفي وتقرير المنفي أي
قد عهدنا إليكم وعن هذا قال الْمُصَنّف وعهده إليهم الخ.
قوله:(ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة
غيره وجعلها عبادة الشَّيْطَان)ما نصب لهم الخ. أي وعيده إليهم بسَبَب ما نصب فيه مسامحة
قال الْمُصَنّف في سورة البقرة فإنه تَعَالَى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل
وإنزال الكتب والعهد إذا عُدي بـ إلى يكون بمعنى الأمر فيكون العهد اسْتعَارَة لإقامة
البراهين والعقل من الحجج الْمَذْكُورة. قوله الآمرة بعبادته الخ. مجاز في الإسناد أو مجاز عن
الترغيب والترهيب ولم يتعرض لكونه عبارة عن الذي عهده في عالم الذر ؛ إذ قال لهم:
(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) لأنه عند الْمُصَنّف اسْتعَارَة تمثيلية كما أوضحه في
تفسير هذه الآية. وعبر هنا بـ (يَا بَنِي آدَمَ) لقَوْله تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)
الآية. ونحو ذلك .
قوله: (لأنه الآمر بها والمزين لها) بيان معنى الآمر وأنه مجاز عن التزيين والتحريض
كما في قوله الآمرة فيكون مَجَازًا في النسبة لكونه سببًا لعبادة الأصنام وغيرها نبه عليه بقوله
لأنه الآمر بها .
قوله: (وَقُرئَ «إِعْهَدْ» بكسر حرف المضارعة و «أحهد» و «أحد» على لغة بني تميم. [إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] . تعليل للمنع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وَقُرئَ «إِعْهَدْ» بكسر حرف الْمُضَارِعة. أي بكسر الهمزة وباب فعل كله يجوز في حروف
مضارعته الكسر إلا في الياء و «إِعْهَدْ» بكسر الهاء، وقد جوز الزجاج أن يكون من باب نعم ينعم
وضرب يضرب و «أحهد» بالحاء عَلَى قلب العين حاء و «أحد» بقلب العين والهاء حاء وإدغام الحاء في
الحاء عَلَى لغة بني تميم. فإن القلب بحرفين لغتهم ومنه دحا محا في دعها ومعها أي دع هذه القرية
مع هذه المرأة، أو هذه المرأة مع هذه القرية .
قوله: تعليل للمنع عن عبادته. أي قوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الآية. اسْتئْنَاف
جيء لبيان علة النهي عن عبادة الشَّيْطَان المدلول عليه بقوله: (لا تعبدوا الشيطان) .
فكأنه لما قيل لا تعبدوا الشيطان سأل سائل ما علة النهي عن عبادته؟ فقيل: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
أي علة النهي أنه لكم عدو ظَاهر العدوان بين العداوة .