قَوْلُه تَعَالَى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)
قوله: (أي أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار)
أي إذا دخلوا في السحر عَلَى أن همزة الإفعال للدخول كأصبح الرجل.
قوله: (كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم) إن الاستغفار يشعر بالجرائم وفي نفس الأمر
لا يخلو الْإنْسَان عنها قال تَعَالَى: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) لكنهم في ذلك
الليل لم يجرموا بل اشتغلوا بأنواع العبادات لكنهم لكمال خوفهم مع الرجاء عاملوا معاملة
المجرمين واستغفروا ربهم مثل المذنبين لعدم اغترارهم بالعبادات واستقلال أعمالهم. قال
الْمُصَنّف في تفسير قوله: (واستغفره) هضمًا لنفسك واستقصارًا لعملك
واستدراكًا لما فرط منك بالالْتفَات إلَى غيره انتهى. فإذا كان الحال في شأن سلطان الْأَنْبيَاء
عليهم السلام فما ظنك بالأمة المرحومة؟!! وبالنظر إلَى هذا يحسن إبقاء الْكَلَام عَلَى ظاهره
وإسقاط قوله كأنهم أسلفوا الخ.
قوله: (وفي بناء الْفعْل عَلَى الضَّمير) أي تقديم ضميرهم عَلَى الْفعْل والْإخْبَار عنه
بالْفعْل المفيد للحصر مع أنه يكفي (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) .
قوله: (إشعار بأنهم أحقاء بذلك لوفور علمهم باللَّه وخشيتهم منه) أحقاء بذلك دون
غيرهم لكن الْمُرَاد الحصر عَلَى وجه الْكَمَال والمنفي عن غيرهم الأحقية عَلَى وجه الْكَمَال
دون أصل الأحقية وإليه أشار بقوله لوفور علمهم باللَّه الخ. لأن أصل علم الله تَعَالَى متحقق
في غيرهم وكذا خشية الله تَعَالَى.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19)
قوله: (أي نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربًا إلى الله وإشفاقًا عَلَى النَّاس) أي
يعددون عَلَى أنفسهم واجبًا مع أنه لم يجب إشَارَة إلَى وجه التعبير بالحق وليس الْمُرَاد به
حق أوجبه الله تَعَالَى عليهم لأن الْإنْسَان لا يمدح بالمدح الكامل بأداء ما وجب عليه.
قوله: (للمستجدي والمتعفف الذي يظن غنيًا فيحرم الصدقة) للمستجدي أي طالب
الجدوى والعطاء، ولا يخفى أن المفسر أجلى من المفسِّر بكسر السين هنا. قوله فيحرم
الصدقة إشَارَة إلَى وجه التَّعْبير بالمحروم وهذا مدح لهم بالعبادات المالية بعد الثناء عليهم
بالعبادات البدنية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)
قوله: (أي فيها دلائل من أنواع المعادن والحيوان) فالْمُرَاد بالدليل ما هُوَ مُسْتَقرّ في
الْأَرْض من المعادن بأنواعها فالظرفية حِينَئِذٍ حَقيقَة ولذا قدمه، والْمُرَاد الدليل الأصولي
وجمع الآيات عَلَى ظاهره وقيد الموقنين لأنهم المنتفعون به وإن أريد الموقنون بالْفعْل
والآيات لدوام الإيقان وثباته وإن أريد بالْقُوَّة والمشارفون بالإيقان فالأمر واضح.