تَعَالَى عَلَى من سمعه يقول: اللهم تصدق عَلَى أن الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبتغي
الثواب قل اللهم أعطني وتفضل عليَّ وإنما رده مع وروده في الْحَديث لأن القائل لم يكن
بليغًا يقدر عَلَى التَّعْبير عن معنى واحد بطرق مختلفة فيخاف منه سوء الفهم، عَلَى أنه يجوز
أن يفرق بين الأمر والدعاء وبين الخير والثناء هذا قيل، وإنما لم يبدءوا بما أُمرُوا به
استجلابًا للرأفة والشفقة فإن رق قلبه لنا ذكرنا له ما هُوَ المقصود ممن تحسس يُوسُف
وأخيه وإلا سكتنا.
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ(89)
قوله:(أي هل علمتم قبحه فتبتم عنه وفعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله حتى
لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة)أي هل علمتم قبحه قدر الْمُضَاف لأن الْإنْسَان
يعلم لا محالة ما فعله خصوصًا بشخص ملوم فلا معنى للسؤال عنه بل هم يَعْلَمُونَ أَيْضًا
قبحه فالسؤال في الْحَقيقَة التَّوْبَة عنه، ولذا قال الْمُصَنّف فتبتم عنه، وذكر القبح للتوسل إليه
ثم شرع في بيان ما فعلوه بأخيه بنيامين فقال إفراده أي تفريقه عن يُوسُف وإذلاله وتحقيره.
وأما ما فعلوه بيُوسُف فهو مستغن عن البيان لكونه مستوفى البيان إلَى الآن. قيل إذ أنتم
جاهلون متعلق بـ فعلتم عَلَى هذا التقدير لأنه لا يصح هل علمتم قبحه؛ إذ جهلتموه بل هل
علمتم قبحه بعد ما فعلتموه جاهلين به، وهو تلقين الْجَوَاب لا الخطاب عَلَى وجه العتاب
كما في قوله: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) وتخفيف الأمر عليهم كأنه قيل
ولولا جهلكم ذلك القبح لما فعلتموه انظر هذه الخصلة الحميدة حيث قابل السيئة بالحسنة
والحصة لنا التخلق بهذه الصّفَة.
قوله:(قبحه فلذلك أقدمتم عليه أو عاقبته، وإنما قال ذلك تنصيحًا لهم وتحريضًا على
التوبة، وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبًا. وقيل أعطوه كتاب
يعقوب في تخليص بنيامين وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم
ذلك، وإنما جهلهم لأن فعلهم كان فعل الجهال)أو عاقبته أي ما آل إليه أمر يُوسُف من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: (هل علمتم فتبتم عنه) يعني استفهم بـ هل من كان عالمًا بما فعله وجعل الْفعْل ماضيًا
وقيده بقوله: (إذ أنتم جاهلون) ليفيد الحث عَلَى التَّوْبَة يعني هل استمر ذلك
الجهل بقبح الْفعْل أم تدورك بالعلم الموجب للرجوع منه [وتلافيه] بالتوبة فإن العامل إذا انجلى له
قبح القبيح لا يتوقف رجوعه [عنه] ، ولهذا الترتيب جاء بالفاء في قوله: (فتبتم) .
قوله: أو لأنهم حِينَئِذٍ كانوا صبيانًا طياشين. من الطيش وهو خفة العقل، فعلى هذا الوجه يشبه
أن يكون قوله: (إذ أنتم جاهلون) تعليمًا منه للاعتذار كما قال مُوسَى:(فَعَلْتُهَا
إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)في جواب (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)
وهم لو طلبوا عذرًا لم يجدوا كَذَلكَ كقَوْله تَعَالَى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)
فإنه فيه إشَارَة إلَى الْجَوَاب بأن يقول غرني كرمك يا رب.