قَوْلُه تَعَالَى: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ(21)
قوله: (رد أولًا بذلك ما وبخه به قدحًا في نبوته) رد أولًا الخ. أي كذب فرعون
ودفع الوصف بالكفر وبرأ ساحته ما وبخه به وهو القتل بِغَيْرِ حَقٍّ قدحًا في نبوته زعمًا
منه أن الْأَنْبيَاء عليهم السلام معصومون عن مثل هذا القتل. وجه الرد أن موهبة الله تَعَالَى
الحكم والنبوة بعد تلك الحادثة ولا يجب عصمة الْأَنْبيَاء عن أمثاله. قوله قدحًا تعليل لما
وبخه علة تَحْصيلية .
قوله: (ثم كر على ما عد عليه من النعمة ولم يصرح برده لأنه كان صدقًا غير قادح
في دعواه، بل نبه على أنه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببًا عنها فقال.(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ
أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ)ثم كر بمعنى رجع. أي ثم رجع إلَى رد ما ادعاه من نعمة التَّرْبيَة
فإنها تربية ظاهرًا نقمة حقيقية و (ثُمَّ) للتراخي الرتبي ؛ إذ تبرئة النفس الشريفة أي ومقدم رتبة
وإلا فالظَّاهر وكرًا وفكر والتَّعْبير بكسر بالنسبة إلَى نوع الرد ؛ إذ نوعه تحقق أولًا في ضمن رد
ما وبخه ثم رجع إليه في ضمن رد نعمة التربية وإلا فحق العبارة ثم بين أحوال ما عد عليه
الخ. ولم يصرح برده أي وإن رده ضمنًا والتزامًا ولذا لم يقل ولم يرده لأنه اعترف بكون
ظاهرها نعمة مع التَّنْبيه عَلَى أنها نقمة حَقيقَة بخلاف الأول كما عرفته من أنه لما قدح نبوته
بالقتل العمد رده بأنه ليس بعمد وأنه قبل النبوة .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ(22)
قوله: (أي وتلك التَّرْبيَة نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا [عَلَيَّ ظاهرًا] ) أي تلك التَّرْبيَة أي المشار إليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ثم كر عَلَى ما عد فرعون عليه من النعمة، يقال كره أي رجعه كرا وكر بنفسه كرورًا
يعدى ولا يعدى أي ثم رجع مُوسَى عَلَى ما عد فرعون عليه من النعمة بقوله:(أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا
وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ).
قوله: ولم يصرح يرد ما عده عليه نعمة، وهو التربية حيث لم يقل صريحًا أنت ما ربيتني
لأن التَّرْبيَة كانت واقعة ثابتة غير مانعة لدعواه في أنه رسول رب الْعَالَمينَ بل نبه عَلَى أن ما
عده نعمة فهو في الْحَقيقَة نقمة لأنه مسبب عنها لأن تربيته ذلك كانت بسبب ذبحه أبناء بني
إسْرَائيل وتعبيدهم وذبح أبنائهم كان سببًا لإلقاء موسى في التابوت وإلقائه في اليم وإلقاؤه في
اليم كان سببًا لوصوله إلَى فرعون وتربيته، فتربيته له مسببة عن النقمة التي هي تعبيد بني
إسْرَائيل وقصد ذبح أولادهم بهذه الوسائط. وفي الكَشَّاف وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر
عن نفسه وبرأ ساحته بأن وضع الضالين مَوْضع الْكَافرينَ وبدأ بمحل من وشح للنبوة عن تلك
الصّفَة، ثم كر عَلَى امتنانه عليه بالتَّرْبيَة فأبطله واستأصله من سنحه وأبى أن تسمى نعمته إلا
نقمة حيث بين أن حَقيقَة إنعامه عليه تعبيد بَني إسْرَائيلَ لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هُوَ
[السبب] في حصوله عنده وتربيته فكأن امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت وتعبيدهم تذليلهم
واتخاذهم عبيدًا أي إذا حققت التَّرْبيَة والمنة التي امتن بها فرعون عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
كانت بتعبيد بَني إسْرَائيلَ وهي نقمة لا نعمة فهو من تعكيس الْكَلَام .