(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) قوله لا يصح. الأولى ولا يقدرون بعد قوله لا يصح الخ. لأن هذا
معنى وما يَنْبَغي لهم. قوله أكد ذلك بإبراز البرهان فالْمُرَاد التَّأْكيد معنى قوله من وَجْهَيْن
متعلق ببين ولا يحسن تعلقه بلا يصح .
قوله: (أحدهما أنه إنما يكون على شرير كذاب كثير الإِثم) إنما يكون عَلَى شرير
الحصر مُسْتَفَاد من العلة المختصة بهم ؛ إذ الْمَعْنَى تنزل عَلَى كل أفاك لإفكه وشريته وكثرة
إثمه، لكن الأولى إنما يكون عَلَى كل شرير كذاب. قوله كذاب تفسير أفاك والشرير لازم
معناه كثير الإثم تفسير أثيم لأنه من [صيغ] المُبَالَغَة .
قوله: (فإن اتصال الإِنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتواد وحال محمّد صلى الله
عليه وسلّم على خلاف ذلك. وثانيهما قوله: (يُلْقُونَ السَّمْعَ) فإن اتصال
الْإنْسَان الخ. تعليل للحصر وبيان أن العلة وهي الطغيان سبب التضام وجودًا وعدمًا، والْمُرَاد
بالغائبات هنا ما غاب عن الحس ولا يقتضيه بديهة العقل وإن قام عليه دليل والجن
والْمَلَائكَة من هذا القبيل لكن الْمُرَاد كفرة الجن والشَّيَاطين ولدلالة المقام عَلَى الْمُرَاد بينه
على عمومه فإن هذا الْكَلَام منتظم لاتصال الْإنْسَان بالْمَلَائكَة بالرياضات والمجاهدات كما
أنه متصل بالشَّيْطَان بالعصيان وفرط الطغيان. قوله لما بَيْنَهُمَا من التناسب والتواد يلائم كلًا
منهما لكن المقام آب عنه، ولذا قال وحال مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عليه وسلم عَلَى خلاف
ذلك. وجه دخول حرف الجر عَلَى من الاستفهامية هُوَ أن الهمزة تقدر قبل حرف الجر في
نيتك كأنك تقول أعلى من تنزل الشَّيَاطين والتَّفْصيل في الكَشَّاف .
قَوْلُه تَعَالَى: (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ(223)
قوله: (أي الأفاكون يلقون السمع إلَى الشَّيَاطين) أي الأفاكون مرجع ضمير يلقون فيه
إشَارَة إلَى أن الْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة لبيان حالهم معهم ولا يبعد أن يكون حالًا من الشَّيَاطين ؛ إذ
التقدير يلقون السمع إلَى الشَّيَاطين. قيل ويجوز أن يكون صفة لكل أفاك لأنه في معنى
الجمع، لكن تقدير المبتدأ أظهر في الأول، وأما الحالية فلم يلتفت إليها لعدم المقارنة انتهى.
وهذا عجب ؛ إذ نزول الشياطين وهو عبارة عن تقريرها في إذن وفيه مما لا ريب في
مقارنتها والحالية أنسب بالمقام .
قوله:(فيتلقون منهم ظنونًا وأمارات لنقصان علمهم، فيضمون إليها على حسب
تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها)فيتلقون أي يأخذون من الشَّيَاطين لما كان الْمُرَاد بالإلقاء
الإصغاء إليه والشدة فيه يتفرع عليه التلقي. أي الأخذ والقبول ولذا قال فيتلقون منهم الخ.
ظنونًا أي مظنونات ولذا عطف عليها أمارات. قوله لنقصان علمهم أي لعدم علم الأفاكين