قوله: (وخائفين من العقاب أو المعصية) وخائفين العقاب مع الطمع في العفو من
الوهاب أو المعصية ناظر إلَى قَوْله في الطاعة كما أن الأول ناظر إلَى الثواب وفيه صنعة
الطباق والخوف عن المعصية أبلغ من الخوف عن العقاب كما أن رجاء الإجابة والطاعة
أمدح من رجاء الثواب ففي الْكَلَام نوع ترق .
قوله: (مخبتين أو دائمي الوجل) والْخُشُوع الإخبات والْخُضُوع هُوَ اللين والانقياد
والأول بالجوارح والثاني بالقلب لكن الْمُرَاد هنا بالقلب والجوارح معًا، ولعله لذلك اخْتيرَ
على الخاضعين ؛ إذ الظَّاهر علامة الباطن لا العكس .
قوله: (والْمَعْنَى أنهم نالوا من اللَّه ما نالوا بهذه الخصال) أشار به إلَى أن قوله إنهم
كانوا يسارعون كالتعليل لما قبله سواء كان مرجع الضَّمير المتوالدين أو الْأَنْبيَاء عليهم
السلام غاية الأمر أن كون يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ منهم باعْتبَار علمه تَعَالَى أي في علمه تَعَالَى
لما كان مسارعًا إلَى الخيرات نال ما نال ولا ضير فيه .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها
آيَةً لِلْعالَمِينَ (91)
قوله: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ) منصوب محلًا إما بالعطف عَلَى ما قبله أو بـ اذكر وجعله مبتدأ
خبره مقدر أي مما يتلى عليكم تعسف لا حاجة إليه مع مخالفته لما قبله والتزامه بلا داع
تعسف.
قوله: (من الحلال والحرام يعني مريم) من الحلال أي بالنكاح. والحرام أي بالسفاح
يعني مريم لأنها مشتهرة في الشرع بمضمون هذه الصلة وإن كانت كثيرة من النساء كَذَلكَ
في الواقع والإحصان بالنسبة إلَى الحلال لعله تَغْليب الإحصان من الحرام أو بمعنى عدم
مس البشر حلالًا وحرامًا كناية وللإحصان معاني كثيرة مذكورة في الْقُرْآن، والْمُنَاسب هنا ما
ذكرناه فلا إشكال بأن المرأة التي مسها البشر بالوطء بالنكاح ليست بمحصنة عَلَى ما هُوَ
المفهوم منه عَلَى أن المفهوم ليس بمعتبر اتفاقًا في مثله لأن الْمُرَاد هنا بيان ولادتها بلا مس
البشر إياها، وعن هذا قال: (فنفخنا فيها) وبهذا البيان اضمحل ما توهم من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وخائفين من العقاب أو المعصية تقديم العقاب عَلَى المعصية لأن الخوف يتعلق
أولًا بالذات بالعقاب الذي هُوَ جزاء المعصية وبالمعصية ثانيًا [وبالغرض] فإن كون المعصية
مخوفًا عنها إنما هو لكونها سببًا للعقاب لا بالذات. والْمَعْنَى أنهم نالوا من الله ما نالوا بهذه
الخصال وهي مسارعتهم في الخيرات ودعاؤهم راغبين وراهبين وخشوعهم للَّه. ومعنى التسبيب
مُسْتَفَاد من ورود جملة (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) مع ما عطف عليه عَلَى وجه
الاسْتئْنَاف لما قبله المنبئ عن السؤال عن سبب ما نالوا. فأجيب بجواب يبين ذلك السبب وهو
شلك الخصال التي يشتمل عليها الْجَوَاب .