خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم. الجلاس كغراب بالضم واللام والسين
المهملة صحابي كما يشهد به الرّوَايَة الْمَذْكُورة، ونقل بتشديد اللام في شروح الكَشَّاف .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ
الضَّالُّونَ (90)
قوله:(كاليهود كفروا بعيسى والإِنجيل بعد الإِيمان بموسى والتَّوْرَاة، ثم ازدادوا كفرا
بمحمد والقرآن، أو كفروا بمحمد بعد ما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرًا بالإصرار والعناد
والطعن فيه والصد عن الإيمان ونقض الميثاق، أو كقوم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم ازدادوا كفرًا
بقولهم نتربص بمحمدٍ ريب المنون أو نرجع إليه وننافقه بإظهاره)بعد الإيمان بمُوسَى
فمتعلق الإيمان غير متعلق الكفر ومثل هذا لا يسمى مرتدًا. ثم ازدادوا كفرًا معنى زيادة
الكفر باعْتبَار زيادة إنكار ما يجب الإيمان به كما نبه عليه المص فالزّيَادَة باعْتبَار الكَم. قوله
بالإصرار الخ. فتكون الزّيَادَة باعْتبَار الكيفية والزّيَادَة في الاحتمال الثالث باعْتبَار ضم
المعاصي والخداع والاسْتهْزَاء إلَى الكفر أو الكيفية أَيْضًا أخّره لأن زيادة الكفر بانضمام
المعاصي غير مُتَعَارَف وقدم الأول ؛ إذ الزّيَادَة بحسب الكم هُوَ الْمُتَبَادَر، وأما باعْتبَار الكيفية
ففيه نوع خفاء .
قوله: (لأنهم لا يتوبون أو لا يتوبون إلا إذا [أشرفوا] عَلَى الهلاك) فالنفي متوجه إلَى
التَّوْبَة لأن عدم قبولها إما بانتفائها أو بوجودها، والثاني منتف لدلالة النصوص عَلَى قبول
التَّوْبَة المقرونة بالشروط، فقوله لأنهم علة لمقدر أي عدم قبول توبتهم لأنهم لا يتوبون
بانهماكهم في المعاصي وارتدادهم أو لإصرارهم عَلَى الكفر فهو من قبيل لا ترى الضب
بها [يَنْجَحرُ] .
قوله: (فكني) تفريع عَلَى الأخير ؛ إذ عدم التَّوْبَة في وقتها والتَّوْبَة حين لا تنفع ملزوم لعدم
قبول التَّوْبَة كما قيل. أو لازم له، وهو الْمُخْتَار في الكناية فذكر الملزوم وأريد اللازم أو العكس .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأنهم لا يتوبون فهذا كقوله
على لاحبٍ لا يهتدي بمنارة
أي لا لاحب ولا منار، وكقوله ولا ترى الضب فيها [يَنْجَحرُ] . أي لا ضب ولا [انجحار] . والْمَعْنَى
هنا لا توبة منهم ولا قبول .
قوله: فكني عن عدم توبتهم بعدم قبولها لأن عدم القبول من لوازم عدم التَّوْبَة فذكر اللازم
وأريد به الملزوم، وإنَّمَا حمل الْكَلَام عَلَى الكناية وأخرجه عن ظاهره لئلا يلزم التناقض فإن الآية
الأولى أثبتت قبول توبة المرتد والثانية عدم قبولها فهذا المصير في الثاني إلَى معنى الكناية فلا
يوهم أنهم لا تقبل توبتهم وإن تابوا .