قَوْلُه تَعَالَى: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهكَ في السَّماء فَلَنُوَلّيَنَّكَ قبْلَةً تَرْضاها فَوَلّ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجد الْحَرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإنَّ الَّذينَ أُوتُوا الْكتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ
الْحَقُّ منْ رَبّهمْ وَمَا اللَّهُ بغافلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
قوله: (ربما نرى) يحتمل أن يكون إشَارَة إلَى أن قد في بابه للتقليل وإلى أنه مُسْتَعَار
للتكثير بجامع التضاد لأن رُبَّ اسْتعْمَاله شائع في التكثير وإن كان وضعه للتقليل ولعدم
العلم بأحد الاحتمالين فسره برُب لذلك؛ لأن من رفع بصره إلَى السماء مرة واحدة يصدق
عليه أنه قلب بصره إلَى السماء وإلا فيصدق أنه لم يقلبه وهو خلاف الواقع عَلَى أنه لا يلزم
من حمله عَلَى التقليل كون رفع بصره مرة واحدة لجواز أن يكون مرارًا غير واصل إلَى حد
الكثرة، واسْتعْمَال قد للتكثير مما ذكره سيبويه وصاحب المغني والشيخ الزَّمَخْشَريّ وفي
اللباب قال أبو حيان: ثم هذا الذي ادعاه من كثرة الرؤية لا يدل عليه اللَّفْظ؛ لأنه لم يوضع
للكثرة قد مع الْمُضَارِع سواء أريد به المضي أم لا، وإنما فهمت الكثرة من متعلق الرؤية وهو
التقلب انتهى. ولا يخفى أن التقلب لا يقتضي الكثرة كما عرفت من أنه يصدق في مرة
واحدة، أَلَا [تَرَى] أنهم صرحوا في مسألة الاستسقاء بأن الإمام قلب رداءه مع أنه مرة واحدة
وفي بيان شرط الرؤية تقليب الحدقة وهو في مرة واحدة مع أنه من باب التفعيل والتقلب
من باب التفعل وهذا وهم محض، وإن ذهب إليه كثيرون فالصواب أن مراد الشَّيْخَيْن بإيراد
ربما ما ذكرنا من الإشَارَة إلَى الاحتمالين التقليل والتكثير .
قوله: (تردد وجهك) تقلب الوجه أبلغ من تقلب العين ولذا اخْتيرَ هنا .
قوله:(في جهة السماء تطلعًا للوحي وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقع في روعه ويتوقع من
ربه أن يحوله إلَى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبْرَاهيم وأقدم القبلتين)في جهة السماء لما كان في
السماء متعلقًا بتقلب ولم يكن التقلب حاصلًا في نفس السماء بل في جهته وجانبه قدر
المص الْمُضَاف إشَارَة إلَى ما ذكرناه، واخْتيرَ في السَّمَاء للمُبَالَغَة، والظَّاهر أن الْمُرَاد بالسماء
جهة العلو دون الفلك وإن احتمل ذلك وعلى الأول لا حاجة إلَى تقدير الجهة لكن قوله
تطلعا للوحي يلائم كون الْمُرَاد الفلك، ولا يبعد أن يكون الْمَعْنَى تقلب وجهك إلَى السماء
على أن في بمعنى إلَى كقَوْله تَعَالَى: (فَرَدُّوا أَيْديَهُمْ في أَفْوَاههمْ) كما في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: يقع في رُوعه. الرُّوع بالضم القلب وبالفتح الخوف .