إلى أن الجارين متعلقان إلَى يدبر بالتَّضْمين كما من في نظائره لكن الْإنْزَال هنا جاز فإنه
وصف لعامله وكذا في بعض الْوُجُوه الْمَذْكُورة، وفي بعضها الْإنْزَال حَقيقَة كنزول الْمَلَائكَة
في الوجه الأول والمطر. قوله: (ثم لا يعرج) الخ. أشار به إلَى أن ثم في ثم
يعرج للاستبعاد لما ذكره، والْمُرَاد بألف سنة المدة المتطاولة لا حقيقتها والعروج لقوله
تَعَالَى: (إليه يصعد الكلم الطيب) الآية. وهذا الوجه قدم في الكَشَّاف وأخره
المص لعدم ملائمته لما بعده كما يعلم من تفسيره والزَّمَخْشَريّ استدل عليه بقَوْلُه تَعَالَى:
(قليلًا ما تَشْكُرُونَ) (وَلكُلٍّ وجْهَةٌ) فعلم من مجموع البيان أن الأمر إما واحد
الأوامر بمعنى المأمور به، أو واحد الأمور بمعنى الشأن والحال. [والأَولى] الاحتمال الأخير
والثاني باقي الاحتمالات، الأول والتدبير إما باقٍ عَلَى ظاهره أو مأول وكذا الخروج والألف
سنة إما محمولان عَلَى حقيقتهما أو مأولان والكل قد بين في موضعه، فتأمل وكن عَلَى
بصيرة. وارتباطه بما قبله هُوَ كالبيان لمعنى استوائه عَلَى العرش قال في سورة الأعراف
يسمى العرش به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك لأن الأمور والتدابير تنزل منه.
قوله: (وَقُرئَ «يُعْرَجُ» و «يَعُدُّونَ» ) وَقُرئَ «يُعْرَجُ» عَلَى
البناء للمَفْعُول لالن أبي [عبلة] قراءة شاذة وأصله (يُعْرَجُ به) و (يَعُدُّونَ) أي وَقُرئَ يَعُدُّونَ
بالغيبة الضَّمير الغائب لجميع النَّاس أو للمخاطبين في (وَمَا لَكُمْ) فحِينَئِذٍ
فيه نوع التفات وكذا في ( [تَعُدُّونَ] ) بالخطاب إما خطاب للجميع كما هُوَ
الظَّاهر أو خطاب للمخاطبين في (وَمَا لَكُمْ) ففي الأول تلوين الخطاب.
قَوْلُه تَعَالَى: (ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(6)
قوله: (ذلك) إشَارَة إلَى الله عز وجل باعْتبَار اتصاف بما ذكر من خلق السَّمَاوَات إلَى
تدبير الكائنات وهو مبتدأ خبره: (عالم الغيب) الآية.
قوله: (فيدبر أمرها عَلَى وفق الْحكْمَة) إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله وأن الْمُخْتَار في
معنى يدبر تدبير أمر الدُّنْيَا كما قدمه هناك ونبهنا عليه والتعرض لكونه عالمًا لأن التدبير
على وفق الْحكْمَة والمصلحة النافعة إنما يكون بالعلم التام والقدرة التامة كما أشار إليه
بقوله: (العزيز) .
قوله: (الغالب عَلَى أمره) إشَارَة إليه.
قوله:(على العباد في تدبيره، وفيه إيماء بأنه يراعي المصالح تفضلًا
وإحسانًا)إشَارَة إلَى أن ذكر الرحيم كالتكميل والاحتراس دفعًا لتوهم الوجوب والإيجاب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفيه إيماء بأنه يراعي المصالح تفضلًا. أي في وصفه تَعَالَى بالرحمة بعد وصفه بالتدبير
إشَارَة إلَى أنه تَعَالَى يراعي في تدبيره الأصلح لعباده تفضلًا منه ورحمة لا وجوبًا، والمعتزلة ذهبوا
إلى الوجوب فالآية حجة عليهم.