قوله تَعَالَى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ(6)
قوله: (لَيْسَ لَهُمْ) الآية. شروع في بيان طعامهم إثر بيان ثوابهم
والْكَلَام لم يوجد فيه ما يقتضي الترتيب فلا ينافي كون أكلهم مقدمًا عَلَى السقي، وإنَّمَا قدم
في الذكر هنا لرعاية الفاصلة.
قوله: (يبيس الشبرق وهو شوك ترعاه الإِبل ما دام رطبًا) ليس فعيل من اليبس
ضد الرطب. قوله ما دام رطبًا فإذا يبس تركه لصعوبة الأكل ومع ذلك أكله أصحاب الجحيم
لأنهم لكمال جوعهم اضطروا إلَى أكله.
قوله: (وقيل شجرة نارية تشبه الضريع) فيكون ضريعًا اسْتعَارَة مصرحة كما نبه عليه
بقوله تشبه الضريع، مرضه لأن الحمل عَلَى ظاهره ممكن وأن الآية ناطقة بأن الشجرة النارية
هي شجرة الزقوم لا شجرة تشبه الضريع، وأَيْضًا الضريع ناري بل شجرة نارية خلقها الله
تَعَالَى في النَّار فلا يظهر مقابلة هذا الْقَوْل بما ذكر في الضريع. وروي عن ابْن عَبَّاسٍ رضي
الله تَعَالَى عنهما [يرفعه] "الضريع شيء في النَّار يشبه الشوك أمرُّ من الصبر وأنتن من الجيفة"
وأشد حرًا من النَّار"وهذه الرّوَايَة تؤيد ما قلنا وأن الظَّاهر أن الضريع مُسْتَعَار عَلَى أي معنى"
كان؛ إذ ليس الْمُرَاد الضريع الذي كان في الدُّنْيَا، ولو قيل إنه شوك كالذي في الدُّنْيَا فهو
اعتراف بالتشبيه ولم يلتفت إلَى كون الضريع بمعنى المضرع أي جعل أكله متضرعًا لفرط
مرارته وحرارته؛ لأنه غير منقول عن الثقات لكن يدفع الإشكال الذي سيذكر مع جوابه.
قوله: (ولعله طعام هَؤُلَاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم) ولعله طعام إشَارَة إلَى
جواب إشكال بأن هذا بحسب الظَّاهر مناف لقَوْله تَعَالَى (ولا طعام إلا من غسلين)
إذ الحصران متنافيان. فأجاب أولًا بتغاير الأكلين فإن لجهنم سبعة أبواب
(لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) فالضريع طعام لفرقة منهم فقط ليس له طعام
غيره، وغسلين طعام لطائفة أخرى منهم فلا منافاة بين الحصرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: يبيس الشبرق أي الضريع. نبت يابس مسمى بالشبرق وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل
ما دام رطبًا فإذا يبس [تعافه] وهو سم قاتل.
قوله: ولعله طعام هَؤُلَاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم. هذا توجيه وتلفيق بين الحصرين
المتنافيين بحسب الظَّاهر. أعني قوله: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) وقوله:
(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ(35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) . بَيْنَهُمَا وبين قوله: (إِنَّ
شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) . وحاصل جوابه أن العذاب ألوان والمعذبون عَلَى
طبقات فمنهم أكلة الضريع ومنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الزقوم لكل باب منهم جزء مقسوم.