النفخة مستمعة مَجَازًا في الإسناد لكونه سببًا له قيل والصاخة هي الداهية العظيمة التي
يصخ لها الخلائق أي يصخونه ويستمعون.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)
قوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ) الآية. بدل من الصاخة أو من(إذا جاءت
الصاخة)وهو الظَّاهر لأنه بدل الكل وعلى الأول بدل الاشتمال يحتاج إلَى
تقدير الضَّمير أي يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ عنده، والْمُرَاد باليوم أمر ممتد يصح وقوع أمور كثيرة فيه.
قوله: (لاشتغاله بشأنه) أي حاله كما قال تَعَالَى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا)
ولعل هذا في موطن والشفاعة بينهم في موطن آخر فلا إشكال.
قوله: (وعلمه بأنهم لا ينفعونه) ولذا اشتغل بشأنه ويسعى في خلاص [نفسه] لا يهمه
شأن غيره فيقول نفسي نفسي، فالحاصل أن الإقبال عليهم إما للنفع أو للانتفاع وكلاهما
منتف لاشتغاله بنفسه عن نفع غيره وعلمه بعدم نفعهم، والعطف بالواو يشعر بأن العلة
المجموع من حيث المجموع.
قوله: (أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم) علة أخرى كما دل عليه العطف
بأو ولذا جد وبالغ في الفرار واشتغل بحفظ نفسه فلا يقال إنه غير مناسب لما بعده.
قوله:(وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبويه بل من
صاحبته وبنيه)أي الْكَلَام للترقي لا للتنزيل هذا بناء عَلَى الأغلب الأكثر لكون الطباع
مختلفة فمنهم من أحب [أخاه] فرط محبة ومنهم من اشتدت محبته لصاحبته وغير ذلك لكن
ما ذكره الْمُصَنّف هُوَ الغالب الكثير.
قَوْلُه تَعَالَى: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(37)
قوله: (لِكُلِّ امْرِئٍ) الآية. قيل إنه جواب إذا تركت الفاء لتقديره
مضارعًا أو ماضيًا بدون قد وهو تعسف والظَّاهر أن جوابه مَحْذُوف يدل عليه هذا الْقَوْل الكريم
أي لشغل كل نفس بخلاصها وذكر المرء في الموضعين لأن عادة الْقُرْآن العظيم الاكتفاء بذكر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
ذي النطق يقال صخ يصخ فهو صاخ وقال تَعَالَى: (فإذا جاءت الصاخة) عبارة عن
الْقيَامَة. قال الزجاج: الصاخة هي التي يكون عندها الْقيَامَة يصخ الأسماع فلا يسمع إلا من يدعي به
لإحيائها ثم فسر في أي وقت يجيء فقال: (يوم يفر المرء) ثم وصف أحوال
المؤمنين والْكَافرينَ بقوله: (وجوه يومئذٍ مسفرة) الآية. قال أبو البقاء: (فإذا جاءت)
العامل فيها جوابها وهو معنى قَوْلُه تَعَالَى: (يوم يفر المرء) فالْمَعْنَى
[فإذا جاءت الصاخة يفر المرء من أخيه] . تمت
السُّورَة. اللهم يا من لا أحصي ثناءك أحمدك حمد العاجزين عن كنه محمدتك فبحولك وقوتك
أستعين وأشرع وأقول.