الأول مقتضيًا للإنزال فيغني عن الثاني، إلا أن يقال إنه من تعدد العلل وترك العطف تنبيهًا
على استقلال كل منهما.
قَوْلُه تَعَالَى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(4)
قوله: (فإن كونها مَفرق الأمور المحكمة) مَفرق بفتح الميم اسم زمان الفرق لكن
المُسْتَفَاد من النظم الكريم كون بعضها زمان الفرق والمنفهم من كلام المص كونها بجميعها
مفرقًا، فلا وجه للتغيير. قوله المحكمة أشار به إلَى أن الحكيم فعيل بمعنى المفعَل بوزن اسم
الْمَفْعُول وكونها محكمة لأنه لا يغير ولا يبدل لقضائه السابق المبرم. وقيل يعد إبرازه
للْمَلَائكَة بخلافه قبله، وهو في اللوح فإنه يمحو ما يشاء منه ويثبت، ويرد عليه ما مر من أن
مذاق الْكَلَام يستدعي كونها محكمة قبل الفرق. وقيل إبرازها للْمَلَائكَة ولا يضره المحو لأنه
قبل الإبراز يقع المحو والْإثْبَات وتكون الأمور عَلَى البتات.
قوله: (أو الملتبسة بالْحكْمَة [يستدعي] أن ينزل فيها الْقُرْآن الذي هُوَ [من] عظائمها) أو
الملتبسة بالْحكْمَة وهي العلم التام وإتقان العمل فهو وصف صاحبه وتوصيف الأمر به
على الإسناد المجازي. وحاصله الملتبسة بالْحكْمَة ولهذا التمحل أخَّره والفرق أن الأول
يقتضي إنزاله بأي وقت كان، والثاني يستدعي إنزاله في هذه الليلة المباركة خصوصًا لأن
إنزال الْقُرْآن من الأمور المحكمة، وإليه أشير في الكَشَّاف والمص أشار إليه أَيْضًا حيث
ترك لفظة فيها وذكر في الثانية، وبهذا يندفع البحث السابق من أن الأول يغني عن الثاني
وبهما فسر جواب القسم الذي هُوَ قوله: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) كأنه
قيل: أنزلناه لأن شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان أنزلنا إياه، وفي هذه الليلة
خصوصًا لأن إنزال الْقُرْآن من الأمور الحكيمة وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم كذا في
الكَشَّاف فلله دره ما أحلى بيانه.
قوله: (ويجوز أن تكون صفة لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وما بَيْنَهُمَا اعتراض) وهذه الصّفَة صفة
مخصصة أو موضحة في قوة الدليل عَلَى كونها مباركة وفي قوة التعليل لتَخْصيص الْإنْزَال
بتلك الليلة. قوله وما بَيْنَهُمَا اعتراض فَائدَة الاعتراض الإشَارَة إلَى مقتضى الْإنْزَال.
قوله: (وهو يدل عَلَى أن الليلة ليلة القدر لأنه صفتها لقوله:(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ
فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)وهو أي وصف الليلة بقوله (يفرق) الخ. يدل عَلَى
أن الليلة ليلة القدر فالتعرض لاحتمال كونها ليلة البراءة ليس كما يَنْبَغي وهذه الدلالة
متحققة في احتمال الاسْتئْنَاف فلا يظهر لنا وجه تَخْصيص الدلالة باحتمال الوصف، وقد
ذكرنا أن قَوْلُه تَعَالَى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه الْقُرْآن) يدل عَلَى أن
الْمُرَاد ليلة القدر. وفي الكَشَّاف: وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة
البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلَى ميكائيل، ونسخة الحروب إلَى
جبرائيل، وكَذَلكَ الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الْأَعْمَال إلَى إسْرَائيل صاحب سماء