فهرس الكتاب

الصفحة 1665 من 10841

به خفاء) منشأ التوهم كون اسْتعْمَال الفريق في القليل أكثر منه في الكثير، وفيه إشَارَة إلَى أن

الْمُرَاد بأكثرهم هم النابذون جهارًا، وسيأتي ما ينافي ذلك ظاهرًا .

قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ منْ عنْد اللَّه مُصَدّقٌ لما مَعَهُمْ نَبَذَ فَريقٌ منَ الَّذينَ

أُوتُوا الْكتابَ كتابَ اللَّه وَراءَ ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101)

قوله: (كعيسى ومُحَمَّد عليهما السلام) تعرض عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ مع أن الْكَلَام بيان

سوء معاملة أكثرهم مع النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إشَارَة إلَى أن معاملتهم مع عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ

كمعاملتهم مع رسولنا عَلَيْهِ السَّلَامُ بيانًا لكمال خبثهم، وأن أسلافهم وأخلافهم سواء في

البغي وتجاوز الحد وفرط التعصب، وقدم عيسى لمجيئه أولًا ولتقدمه زمانًا وراعى بعضهم

السوق، وخص الْكَلَام برسولنا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وتنكير الرَّسُول للتفخيم وزاده فخامة وشرافة قوله

منْ عنْد اللَّه. قوله (مُصَدّقًا لمَا مَعَهُمْ) للتنبيه عَلَى أن الْقُرْآن كما صدق لما

معهم فالرَّسُول أَيْضًا مصدق، فإسناده إليهما سواء، ثم إنه إشَارَة إلَى كمال غوايتهم وفرط

غلوهم حيث كذبوا بمن صدق لما معهم كما أنكروا ما هُوَ مصدق لما معهم نبذ فريق

جواب لما ومدخول لما سبب في نفس الأمر التلقي بالقبول كلما هُوَ مقتضى العقول

لكنهم عكسوا وجعلوا ما هُوَ سبب تام للإيمان سببًا للكفر والنبذ والطغيان لاختلال

عقولهم وفساد حواسهم وانحراف أمزجتهم كمن يضره الأطعمة التي هي تنفع الأبدان

وتحفظ الصحة في كل حين وآنٍ لنقض أخلاطهم وفساد أمزجتهم بحيث لا يرجى عافيتهم

وهكذا البيان في كل مَوْضع جعل ما هُوَ سبب الفلاح والنجاة سببًا للخسران والبغي

والعدوان من الَّذينَ أوتوا الْكتَاب، والتَّعْبير بالموصول وجعل الصلة إعطاء الْكتَاب فيه

تشنيع بديع وتوبيخ عجيب، وفي قوله (كتاب الله) بيان جسارة عظيمة لهم حيث أنكروا كتاب

من له ألوهية وعظمة وبطش شديد وأخذ مديد يخاف من عذابه ويرجى رحمته، ولا جسارة

فوقها ولا غواية فوق غوايتهم .

قوله: (يعني التَّوْرَاة) ولما كان أن يقال إنهم لم ينبذوا التَّوْرَاة بل نبذوا الْقُرْآن

والرَّسُول أجاب بأنه لما كَفَرُوا بالرَّسُول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه ونبذ لما فيها

من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات أي فإنهم لما كَفَرُوا بما يوافق التروية فقد

كَفَرُوا بها وقد مَرَّ ما فيه وما له في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَإذَا قيلَ لَهُمْ آمنُوا بمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

قَالُوا نُؤْمنُ بمَا أُنْزلَ عَلَيْنَا)الآية. ولما كان في حمل نبذهم عَلَى نبذ

كتابهم الذي يدعون أنهم يُؤْمنُونَ به مُبَالَغَة في توبيخهم وتجهيلهم حيث كَفَرُوا بما

يزعمون أنهم آمنوا به من حيث لا يشعرون أو من حيث يتجاهلون بذلك رَجَّحَ كون

الْمُرَاد بكتاب اللَّه كتابهم التَّوْرَاة، وإن كان كفرهم بها لازمًا لكفرهم بالرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ

والْقُرْآن(لأن كفرهم بالرَّسُول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه ونبذ لما فيما من

وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت