قَوْلُه تَعَالَى: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ
فَوْزًا عَظِيمًا (71)
قوله: (يوفقكم للأعمال الصالحة) يوقفكم أي إصلاح الْأَعْمَال التوفيق في المجيء
بها صالحة مرضية وهذا الْمَعْنَى حقيقي لقوله: (يصلح لكم أعمالكم) .
[أو قريب] منه فلذا قدمه مع أن الكَشَّاف أخره .
قوله: (أو يصلحها بالقبول والإِثابة عليها) معنى مجازي له ؛ إذ معناه جعل الْأَعْمَال
صالحة إما بالصون عن الخلل وهو إصلاح العبد أو بتوفيق ذلك وهو إصلاحه تَعَالَى
وهو المراد، وأما الإصلاح بالقبول والإثابة عليها فهو لازم للمعنى الأول غاية الأمر أن
هذا الْمَعْنَى يلائم قوله: (ويغفر لكم) ولعل لهذا قدمه صاحب
الكَشَّاف. وهذا جواب الأمر بالْقَوْل السديد أو الأمر بالتَّقْوَى والْقَوْل السديد وكلام
الزَّمَخْشَريّ يميل إلَى الأول حيث قال: والْمَعْنَى راقبوا اللَّه في حفظ ألسنتكم وتسديد
قولكم فإن فعلتم ذلك يصلح لكم سائر أعمالكم، فعلم منه أن حفظ اللسان مما يجب
على الْإنْسَان لأنه كالثعبان ونعم ما قيل احفظ لسانك أيها الْإنْسَان لا يلدغنك فإنه ثعبان
وكم في المقابر من قتيل لسانه يهاب عند لقائه الشجعان ولذا قال عليه السَّلام:"وهل"
يكب الناس عَلَى وجوههم أو عَلَى مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"فكان اللسان ملاك"
الأمر كله كما قال عَلَيْهِ السَّلَامُ والمفهوم منه أن من لم يقل الْقَوْل السديد لا يصلح له
أعمالكم بأي معنى كان .
قوله: (ويجعلها مكفرة باستقامتكم في الْقَوْل والعمل) أشار به إلَى أن (ويغفر لكم)
وإن كان مَعْطُوفا عَلَى يصلح لكنه في الْحَقيقَة جواب للشرط أي إن
استقمتم في الْقَوْل والعمل (يغفر لكم) فلا إشكال بأن يغفر لكم أليق
بالتقديم في الذكر لأن التحلية بعد التخلية وهذا يؤيد كون معنى يصلح الْمَعْنَى الأول(في
الأوامر والنواهي)يعيش في الدُّنْيَا حميدًا وفي الْآخرَة سعيدًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: يوفقكم للأعمال الصالحة أو يصلحها بالقبول والإثابة. يعني إصلاح الْأَعْمَال إما
بمعنى التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية، أو بمعنى القبول والإثابة عليها. والْمَعْنَى عَلَى
الأول يوفقكم للأعمال الصالحة وعلى الثاني راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم
فإنكم إذا فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هُوَ غاية الطلبة من تقبل حسناتكم والإثابة عليها ومن
مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وفي الكَشَّاف: وهذه الآية مقرّرة للتي قبلها، بنيت تلك على النهى عما
يؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان، ليترادف عليهم النهى والأمر، مع
اتباع النهى ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، وإتباع الأمر الوعد البليغ [فيقوى] الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه .