وإظهار الغضب من مستتبعاته لأن هذا مراد مع الغيبة لأن همزة الاسْتفْهَام للتعجيب
والتعجيب من عدم الاتقاء يستلزم الحث عَلَى التَّقْوَى. وقيل مزيد الحث إشَارَة إلَى الاشتمال
قراءة الغيبة عَلَى الحث لأن كلمة إلا للعرض، ولا يخفى أن هذا يخالف مذاق المص حيث
قال تعجيب له إشَارَة إلَى أن الهمزة للاسْتفْهَام وكلمة لا للنفي وإن كان هذا الوجه صحيحًا
في نفسه قوله لمن تدبره لكونه منتفعًا به ومورده هنا هُوَ مقام الغضب.
قوله: (وَقُرئَ بكسر النون اكتفاء بها عن ياء الْإضَافَة) اكتفاء بها يعني كان الأصل
يتقونني بالنونين وياء المتكلم فحذف نون الوقاية وحذف الياء لاجتماع النونين والاكتفاء
بالكسرة عن ياء المتكلم وهذا مراد المص بياء الْإضَافَة.
قوله: (ويحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون كقوله: ألا يا اسجدوا) بمعنى ألا يا
ناس اتقون فحذف المنادى وأوصل حرف النداء الْفعْل مَحْذُوفًا منه الألف عبارة لاجتماع
الساكنين ورسمه حِينَئِذٍ بإسقاط الألفين مخالف للقياس والْقيَاس الرسم مثل يا اسجدوا
أعني يا اتقون لأن ما بعده فعل أمر مثل اسجدوا، ولا يخفى عليك ما في هذا الاحتمال من
التعسف والاضطراب.
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ(12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى
هارُونَ (13)
قوله: (قال) أي مُوسَى اسْتئْنَاف رب أي يا رب إني أخاف. أكده للابتهال والتضرع
ويضيق صدري عطف عَلَى أخاف جزم عَلَيْهِ السَّلَامُ في هذين الأمرين لسبق التجربة في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
على القراءة بالياء عَلَى الغيبة حثًا عَلَى التَّقْوَى أَيْضًا لأن في كلمة إلا في معنى العرض لكن في
الخطاب به زيادة حث عليه لما أن في خطاب المشافهة جبها لهم وضربًا في وجوههم بالإنكار
وفي الكَشَّاف وكم من آية أنزلت في شأن الْكَافرينَ وفيها أوفر نصيب للْمُؤْمنينَ تدبرًا لهم
واعتبارًا بموردها.
قوله: وقرئ يتقون بكسر النون اكتفاء بها عن [ياء] الْإضَافَة والأصل يتقوني فحذفت الياء
اكتفاء بكسرة النون عنها كما في (والليل إذا يسر) .
قوله: ويحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون كقوله (ألا يسجدوا) هذا
من باب حذف المنادى وحق الْكِتَابَة أن يجب هكذا ألا يا اتقون وألا يا اسجدوا ولكن في إمام
المصاحف كتبًا متصلين كما قرئا عَلَى الوصل ونحوه قول الشاعر:
ألا يا أسلمي يا دار مي عَلَى البلا
أي ألا يا دار فحذف المنادى