احتمل كونه حَقيقَة عرفية وإذا كان حَقيقَة، فلا وجه للحمل عَلَى التمثيل(لا عَلَى
الْخَاشعينَ)مُسْتَثْنَى من كلام موجب لكنه في معنى النفي. والْمَعْنَى أنها لا
تسهل أداؤها إلا عَلَى الْخَاشعينَ، ولك أن تقول: إنه من قبيل ما يستقيم الْمَعْنَى فيه ؛ إذ يصح
أن يثبت الحكم عَلَى العموم مُسْتَثْنَى منه الخاشعون .
قوله: (أي الْمُخْبتينَ والْخُشُوع الإخبات) أي المتواضعين والمخلصين ويؤيد الأول
قوله: (ومنه الخشعة للرملة المتطامنة) إذ المتطامنة المتواضعة والخشعة كالصبرة بفتحات
الرمل المتطامن أي المنخفض في الْأَرْض، وهذا معنى التواضع فيه والرملة بالتاء قطعة من
الرمل، فعلى هذا الْخُشُوع والإخبات مترادفان (والْخُضُوع اللين والانقياد؛ ولذلك) أي ولكون
الْخُشُوع الإخبات والتطامن وهو أمر جسماني وكون الْخُضُوع اللين والانقياد وهو أمر قلبي
(يقال الْخُشُوع بالجوارح) وهذا مراده، ولا يخفى ما فيه إذا التواضع من الأخلاق الحميدة
فهو أمر قلبي، وما فعل من الجوارح أثر التواضع وعلامته لا نفسه، وذلك الْفعْل والانقياد
فكونهما مترادفين كما نقل عن أئمة اللغة أظهر وبعد النزول عن الترادف، فالأظهر كونهما
متساويين؛ ولذلك روي إذا خشع القلب خشعت الجوارح وما فهم من تقريره أنهما متباينان
بحسب الحمل ؛ إذ الْخُشُوع مختص بالجوارح (والْخُضُوع) مختص (بالقلب) ولعله مراده
بالأكثرية فيوافق بعض ما ثبت عندهم من أن أكثر ما يستعمل في الجوارح الْخُشُوع أكثر ما
يستعمل في القلب والْخُضُوع .
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبّهمْ وَأَنَّهُمْ إلَيْه راجعُونَ(46)
قوله: (أي يتوقعون لقاء الله تَعَالَى) فالظن عَلَى معناه الحقيقي واللقاء وهو مقابلة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لثقيلة شاقة من قولك كبر عليَّ هذا الأمر أي ثقل وشق عليَّ .
قوله: ولذلك أي ولأن الْخُشُوع بمعنى التطامن في الرسل والْخُضُوع بمعنى اللين والانقياد. يقال
الْخُضُوع بالجوارح والْخُضُوع بالقلب. وجه المناسبة أن الْخُشُوع الذي هُوَ في الأصل بمعنى التطامن
لكونه من صفات الجسم الثقيل أشد ملائمة للجوارح التي هي أجسام كثيفة والْخُضُوع الذي هُوَ بمعنى
اللين والانقياد لكونه منبئأً عن معنى اللطافة أنسب للقلب الذي هُوَ شيء لطيف. قال الرَّاغب: الْخُشُوع
الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد عَلَى الجوارح والضراعة أكثر ما يوجد فيما يستعمل في القلب
ولذلك إذا قيل ضرع في القلب وخشعت الجوارح و (ترى الْأَرْض خاشعة) كناية .
قوله: أي يتوقعون لقاء الله. وفي الكَشَّاف يتوقعون لقاء ثوابه. اختلفوا في أن لقاء أن تَعَالَى هل
يفيد رؤيته أم لا؟ فعند الأشاعرة أنه يفيد؛ لأنه لا معنى له إلا الوصول إلَى الله تَعَالَى ومن وصل إليه
فقد رآه لا محالة. وقالت المعتزلة: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية لقَوْله تَعَالَى:(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبهمْ
إلَى يَوْم يَلْقَوْنَهُ)والمنافق لا يرى ربه. وقوله في معرض التهديد(واتَّقُوا اللَّهَ
واعلموا أنكم ملاقوه)فهذا يتناول الْمُؤْمن والكافر، والرؤية لا تحصل للكافر ثم
صاحب الكَشَّاف فسر لقاء الله في كل مَوْضع بما رآه مناسبًا لذلك المَوْضع حتى أنه فسر في هذا
المَوْضع بلقاء ثوابه إن كان الظن بمعنى التوقع والطمع، وبلقاء الْجَزَاء إن كان الظن بمعنى اليقين