الشيء ومصادفته معًا ممتنع في شأنه تَعَالَى، فأول أهل السنة بالرؤية بلا كيف، وإليه أشار
المص بقوله لقاء الله، وأول المعتزلة بلقاء ثوابه تَعَالَى، ومنهم الزَّمَخْشَريّ فرده المص بقوله
لقاء الله تَعَالَى.
قوله: (ونيل ما عنده) من الثواب هذا تفسير (وَأَنَّهُمْ إلَيْه رَاجعُونَ)
وحمل الرجوع عَلَى الرجوع إلَى الثواب لا عَلَى الحشر والنشور، فإنه متيقن ولا إلَى الْجَزَاء
مطلقًا؛ لأنه أَيْضًا مقطوع به يجب فيه اليقين، وأمَّا الرؤية والْجَزَاء الخاص فهو مظنون مرجو
ولما حمل الظن عَلَى معناه وهو الحكم الراجح فحمل اللقاء والرجوع إليه تَعَالَى عَلَى الأمر
المظنون ولا يصح أن يجعل نيل ما عنده عطف تفسير للقاء اللَّه؛ لأنه يوهم عدم جواز الرؤية
عند أهل السنة، وأَيْضًا يلزم أن لا يتعرض إلَى تفسيرًا (وَأَنَّهُمْ إلَيْه رَاجعُونَ) .
قوله:(أو يتيقنون أنهم يحشرون إلَى الله فيجازيهم، ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود
«يَعْلَمُونَ» )فالظن بمعنى التصديق اليقيني إن أريد باللقاء مطلق لقاء الْجَزَاء فحِينَئِذٍ يكون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
لأن حصول الثواب مظنون والْجَزَاء متيقن. وفسره بالرؤية في سورة يونس في قَوْله تَعَالَى:( [قَالَ]
الَّذينَ لَا يَرْجُونَ لقَاءَنَا) وكذا في سورة الكهف في قَوْله تَعَالَى:(فَمَنْ كَانَ يَرْجُو
لقَاءَ رَبّه)وفسره بالعلم المحقق الذي كأنه المعاينة والمشاهدة. قيل في الآية
إشكال وهو أن الظن عبارة عن اعتقاد راجح مع تَجْويز النقيض وهو يقتضي أن لا يكون صاحبه
جازمًا بلقاء الله ومن لا يكون جازمًا بلقاء الله لا يكون جازمًا بيَوْم الْقيَامَة وهو كفر والله تَعَالَى قد
مدح عَلَى هذا الظن، والمدح عَلَى الكفر غير جائز، وكان الرمخشري أول لقاء الله بلقاء ثوابه حتى
يندفع هذا السؤال؛ لأنه لا يلزم من عدم الجزم بحصول الثواب عدم [الجزم] بالقيامة ولعله غفل عن
عطف قوله (وَأَنَّهُمْ إلَيْه رَاجعُونَ) عليه فإن الرجوع إلَى الله تَعَالَى فسره فيما تقدم
إما بالنشور أو بالمصير إلَى الْجَزَاء وعدم الْجَزَاء بشيء منهما كفر ولا مخلص عن هذا الإشكال إلا
بتفسير الظن بالعلم، لكن الزَّمَخْشَريّ لم يفسره هَاهُنَا بل فسره بالتوقع المنبئ عن الظن فالإشكال
لازم عَلَى تفسيره. قال الفاضل أكمل الدين إنما ينهض هذا الإشكال إن كان الظن عَلَى حقيقته، وأما
على ذكره من أن الْمُرَاد به التوقع وبلقاء الرب لقاء ثوابه، وأن الْمُرَاد به اليقين وباللقاء لقاء الْجَزَاء
فهو ساقط، ثم قال وعلى هذا ظهر فساد ما قَالَ بعضهم لا مخلص عن هذا الإشكال إلا بتفسير
الظن بالعلم؛ لأن ذلك التَّفْسير أحد المخلصين وهو أن يقدر لقاء الْجَزَاء دون الثواب فالحصر غير
مستقيم. قال بعض الشارحين للكشاف: قوله يتوقعون لقاء ثوابه مذهبه كأنه يريد أن اللقاء بمعنى
الرؤية ومذهبه أن الرب لا يرى، فيحتاج إلَى تقدير مضاف، وهو ليس بصحيح لما ذكر من أن اللقاء
لا يستلزم الرؤية عَلَى مذهبه. قال التفتازاني لا نزاع في امتناع ملاقاة الله عَلَى الْحَقيقَة لكن القائلين
بجواز الرؤية يجعلون ملاقاة الله مَجَازًا عن الرؤية حيث لا مانع، كما في حق الْكُفَّار والْمُنَافقينَ، وأمَّا
من لم يجوز الرؤية فتفسيرها بما يناسب المقام كلقاء الثواب خاصة أو الْجَزَاء مُطْلَقًا أو العلم
المحقق الشبيه بالمشاهدة والمعاينة، فإن حمل الظن عَلَى التوقع والطمع فمعنى ملاقاته لقاء الثواب
ونيل ما عند الله من الكرامة لظهور أن لا قطع بذلك، وإن جعل عَلَى التيقن أو قرأ يَعْلَمُونَ بدل
يظنون فمعناه ملاقاة الْجَزَاء فإن هذا ينبغي أن يكون مقطوعًا به عند الْمُؤْمن لأن التردد في يوم
الْجَزَاء كفر لا يصلح أن يذكر في معرض المدح كما في هذا المقام.