قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ(98)
قوله:(فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر
للعامة عجزهم)فأرادوا به الفاء للترتيب في الذكر وهذا أبلغ من الْقَوْل فكادوا به فإن ما
وقع بالإرادة يقع عَلَى وجه المُبَالَغَة والتَّعْبير بالكيد لكونه مشتملًا عَلَى نوع من الحيلة حيث
صنعوا [منجنيقًا] لرميه إلَى بنيان مملو بالنَّار من بعيد لأن شدة حرها كانت مانعة عن الحضور
عندها وهذا نوع من المكر لإضراره .
قوله:(الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانًا نيرًا على علو شأنه، حيث جعل النار عليه
بردًا وسلاما)الأذلين بإبطال كيدهم بأن قال: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا) .
الآية. وقد مَرَّ تفصيله في سورة الْأَنْبيَاء وفي سورة الْأَنْبيَاء: (فجعلناهم الأخسرين)
وهذا وإن خالفه لفظًا لكنَّه مطابق معنى قوله: حيث جعل النَّار عليه الخ. مع
أن النَّار بحالها لكنه تَعَالَى دفع أذاها عنه كما ترى في السمندر ويشعر به قوله: عليه أي
على إبْرَاهيم أو انقلب النَّار هواء طيبة وعلى التقديرين يكون معجزة دالة عَلَى صدقه، وإلى
هذا أشار بقوله وجعله برهانًا نيرًا الخ. ولم يقل معجزة لأنه ليس بمعجزة عَلَى مصطلح أهل
الْكَلَام قوله في سورة الْأَنْبيَاء من معجزاته لكونه في صورة المعجزة حيث كان الأمر
الخارق للعادة، وفي التَّعْبير بـ برهانًا نيرًا لطافة لا تخفى. قيل الأسفلين اسْتعَارَة للأذلين والظَّاهر
أنه مَجَاز مُرْسَل .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ(99)
قوله:(أي إلَى حيث أمرني ربي وهو الشام، أو حيث [أتجرد] فيه لعبادته. [سَيَهْدِينِ] . إلى ما فيه
صلاح ديني أو إلى مقصدي) إلَى حيث أمرني الخ. جعل الذهاب إلَى المكان الذي أمر ربه
به الذهاب إليه مُبَالَغَة، ولا يبعد أن يقدر الْمُضَاف أي إلَى مأمور ربي لكن يفوت المُبَالَغَة
وكذا الْكَلَام في قوله أو حيث الخ. والمعنيان متقاربان لأن مأمور ربه من المكان الذي
يتجرد فيه للعبادة وبالعكس واحتمال أنه ليس من المأمور بعيد، وكذا الْكَلَام في قوله إلَى ما
فيه صلاح الخ. لأن نظر المقربين صلاح دينهم فالْمُرَاد بمقصدي ما فيه صلاح دينه. وقيل
الظَّاهر إنه لف ونشر مشوش بالنظر إلَى ظَاهر الْكَلَام لكن ما ذكرناه أمس بالمرام .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك. أي فإن إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ لما قهر
هَؤُلَاء الْمُشْركينَ بالحجة وهي قوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)
قصدوا تعذيبه بإلقائه في النَّار الشديد حذرًا لظهور عجزهم عند العامة
فقصدوا الكيد فجعل الله كيدهم برهانًا نيرًا عَلَى علو شأنه فجعلهم الأسفلين الأذلين عند العامة
والخاصة وفي الدُّنْيَا أو الْآخرَة. وفي الكَشَّاف إن اللَّه غلبه عليهم في المقامين جَميعًا وأذلهم بين
يديه أرادوا أن يغلبوه بالحجة [فلقنه] الله وألهمه ما ألقمهم به الجمر وقهرهم فمالوا إلَى المكر
فأبطل الله مكرهم وجعلهم الأذلين الأسفلين لم يقدروا عليه .