عطف عَلَى قول: إذ لا يكذب كلامه تفسيرًا له. وهذه الآية مما استدل بها للقضاء والقدر
وقضاؤه عند الأشاعرة عبارة عن إرادته الأَزَليَّة المتعلقة بالأشياء عَلَى ما هي فيما لا يزال
وقدره إيجادها عَلَى تقدير معين في ذواتها وأفعالها. وذكر الرَّاغب أن القدر هُوَ التقدير
والقضاء هُوَ التَّفْصيل فهو أخص، ومثل هذا بأن القدر ما أعد للبس والقضاء بمنزلة اللبس.
قال بعض العارفين: إن القدر كتقدير النقاش في ذهنه الصورة والقضاء كرسمه تلك الصورة
للتلميذ في الأسرب وهو قريب مما ذكره الرَّاغب، ولهذا مزيد توضيح في أوائل شرح
المشكاة في شرح قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"وتؤمن بالقدر خيره وشره".
قوله: (أو يخلون في العذاب) ترديد في العبارة والمآل واحد (لا يُؤْمنُونَ) خبر إن
والْقَوْل بأنه تكليف ما لا يطاق فإنه سبحانه أخبر عنهم بأنهم لا يُؤْمنُونَ وأمرهم بالإيمان فلو
آمنوا انقلب خبره كذبًا وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يُؤْمنُونَ فيجتمع الضدان مدفوع بأنه
يجوز أن لا يخلق الله العلم بالعلم فلا يجد من نفسه خلافه. نعم هُوَ خلاف العادة فيكون من
قبيل ما يمكن في نفسه ولا يمكن من العبد عادة كذا قيل، وأنت خبير بأن هذه الرتبة لا يقع
التكليف بها اتفاقًا وإن أمكن التكليف، وهنا وقع التكليف فلا يجدي هنا. فالحق في الْجَوَاب أن
الإيمان الإجمالي كانت ولا إذعان فيه بخصوصه أنهم لا يُؤْمنُونَ. والْقَوْل بأن هذا الْجَوَاب أَيْضًا
لا يجدي بعد أن خوطبوا بالتَّفْصيل وعلموه مدفوع بأنهم لا يتخطون مرتبة الإجمال؛ إذ الإيمان
الإجمالي محال منهم بتعلق علمه تَعَالَى وإرادته بخلافه. والتَّفْصيل بعد الإجمال والوصول إلَى
الحق من الله الملك المتعال (إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه) .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ(97)
قوله: (فإن السبب الأصلي لإِيمانهم وهو تعلق إرادة الله تعالى به مفقود) إذ لا يكون
شيء بدون إرادته تَعَالَى ولا يجري في ملكه إلا ما يشاء عندنا؛ إذ ما شاء الله كان وما لم يشأ
لم يكن. خلافًا للمعتزلة في كلتا المقدمتين؛ إذ عندهم إيمان الكافر مراد الله تَعَالَى ولم يقع
وكفر الكافر لا يريده تَعَالَى ولم يشأ وقد وقع (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) فحِينَئِذٍ يُؤْمنُونَ
إذ مفهوم الغاية كأنه متفق عليه بين الأئمة الْحَنَفيَّة والشَّافعية فلذا قال الْمُصَنّف وحِينَئِذٍ لا
ينفعهم الخ.
قوله: (وحِينَئِذٍ لا ينفعهم كما لا ينفع فرعون) لأنه إيمان يأس وقد قال تَعَالَى:(فَلَمْ
يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)الآية. وسره أن التكليف يرتفع عند رؤية
العذاب؛ إذ المعتبر إيمان الغيب.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ
عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98)
قوله: (فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها آمنت) أشار به إلَى أن لولا
تحضيضية ولفظة كانت ناقصة اسمها راجع إلَى القرية خبرها (آمنت) عَلَى أن إسناد الإيمان