الشيء الذي يُريدُونَ المُبَالَغَة في وصفه ما يتبعونه به تأكيدًا وتنبيهًا عَلَى تناهيه من ذلك
قولهم: ظل ظليل وداهية دهياء وشعر شاعر. وحاصل الْمَعْنَى هنا في شك شاكٍ، وأما عَلَى
الاحتمال الأول فيجوز أن يعتقدوا أن الشك يوقع في القلق والاضطراب فيكون الإسناد
حقيقيًا كقول الدهري: أنبت الربيع البقل. فإن الإسناد عندهم حَقيقَة في ذلك وإن كان الموقع
عند الموحدين هُوَ الله تَعَالَى، وأنت خبير بأن ذلك إنما يثبت إذا كان قوم صالح دهريًا منكرًا
للصانع. والظَّاهر من قصتهم أنهم مقرون به تَعَالَى لكنهم مشركون بعبادة الأوثان فالإسناد
مجازي عَلَى الاحتمالين إلا أن بَيْنَهُمَا فرقًا وهو أن الأول منقول من الأعيان إلَى الْمَعْنَى
والإسناد فيه إلَى السبب والثاني منقول من صاحب الشك إلَى الشك والْمُصَنّف سكت في
الأول ولا يلزم منه جعل الإسناد فيه حقيقيًا ولا يصح أن يقال: إن قوله عَلَى الإسناد
المجازي متعلق بالوَجْهَيْن فإن قوله من أراب في الأمر يأبى عنه. نعم لو قال أو ذي ريبة من
أراب في الأمر عَلَى الإسناد المجازي لأمكن ذلك وكلام الزَّمَخْشَريّ لما كان عَلَى سياق ما
قلنا حمله صاحب الكشف عَلَى أنه متعلق بالوَجْهَيْن .
قوله: (من أراب في الأمر) أي صار ذا ريب وشك فهمزة الإفعال للصيرررة كأمشي
الرجل اعلم أن قصة ثمود في سورة الأعراف وغيرها مسوقة غير هذا السوق فإما أن يقال:
إن مثل هذا من قبيل قصر القصة أو محمول عَلَى تعدد الدعوة وفي كل دعوة يقرر بنيان
التوحيد بأنواع من الدلائل والتأييد .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ
يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)
قوله: (قالَ يا قَوْمِ) اسْتئْنَاف جواب سؤال فماذا قال عَلَيْهِ السَّلَامُ في مقابلة
كلماتهم الحمقاء ومقالاتهم الشنعاء؟ فأجيب بذلك .
قوله: (بيان وبصيرة) هذا معنى البينة هنا وقد فسرها بالبرهان والحجة في قصة نوح
عَلَيْهِ السَّلَامُ وغيرها قال مَوْلَانَا سعدي لم يفسرها بالحجة الشاهدة عَلَى صحة دعواه كما
فسر بها في قصة نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ لعدم ملائمته (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) انتهى. وتبعه
غيره وقال لأن أصل معنى البينة كما قال الرَّاغب: الدلالة الواضحة حسية أو عَقْليَّة والبيان
الكشف ينطق أو غيره فالْمُنَاسب لقوله (فَمَنْ يَنْصُرُنِي) تفسيره بما ذكر فالمعنى إن كان عندي
بصيرة ودلالة عَلَى الحق وخالصة فمن يدفع عني ما استحقه من الله انتهى. ولا يخفى عليك
أن البصيرة سميت بها الدلالة والحجة مَجَازًا قال تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ)
الآية. والبيان الكشف كما اعترف به فهي بمعنى الحجة والبرهان لكنه تفنن
في البيان كما هُوَ عادته في توضيح المرام وهذا الْمَعْنَى هُوَ الملائم لقوله:(وآتاني منه
رحمة)أي نبوة كما فسرها الْمُصَنّف كأنه قيل: يَا قَوْم إن كنت عَلَى برهان
وحجة دالة عَلَى نبوتي فمن يمنعني من عذاب إن عصيته في تبليغ الرسالة. كما أوضحه