ورد أن جميع هذا الوزن ليس هكذا. أجاب بقوله وأصلها فعل أي عُيُر بضم العين والياء أشار
إليه بقوله كسُقُف بضم السين والقاف فإنه جمع سَقْف بفتح السين وسكون القاف فأراد به
التوضيح لا الْقيَاس فعل به ما فعل بببض جمع أبيض فحذفت ضمة الياء لثقله فصار عُيْر بضم
العين وسكون الياء مثل بيض بضم الباء وسكون الياء وكسرت العين كما كسرت الباء في
بيض لتكون الياء سالمة عن القلب فعلم منه أن العمل في عير اثنان وفي بيض واحد لكن
لظهور الْمُرَاد تسامح في العبارة تجوز به قافلة الحمير بمعنى أصحابها. وجه التَّجَوُّز هُوَ الحالية
والمحلية، وأما الزَّمَخْشَريّ فأراد قافلة الحمير نفسها فلم يذكر التجوز حيث قال: وقيل هي قافلة
الحمير ثم كثر فلا مخالفة بَيْنَهُمَا ثم اسْتُعيرَ لكل قافلة قافلة الإبل والحمير وغيرهما أي تجوز
لكل قافلة فالْمُرَاد بالاسْتعَارَة هنا المعنى اللغوي فإنه من قبيل إطلاق اسم الخاص عَلَى العام
وهو من قبيل الْمَجَاز الْمُرْسَل مرضه؛ لأن الظَّاهر أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه كما في
الأول وكونه جمعًا تكلف يحتاج إلَى التعسف ولأن المتبادر في الاسْتعْمَال قافلة الإبل.
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ(71)
قوله: (قالُوا) كلام مستأنف ولذا اخْتيرَ الفصل وأقبلوا عليه جملة حالية بتقدير قد
إشَارَة إلَى كمال توحشهم من هذا النداء لكونه شنعة الشنعاء ماذا تفقدون وللَّه در الأبرار
والأخيار حيث أدبوا بحسن التأديب ولم ينبهوهم بإساءة الأدب وأشاروا إلَى أن اللائق له أن
ينادي بقوله يا أيتها العير فقدنا شَيْئًا وضيعنا أمرًا قفوا حتى نتفحص من حاله وهم تفطنوا
هذا التلويح وقَالُوا في المرة الثانية نفقد.
قوله: (أي شيء ضاع منكم) فيه إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد الضياع لا الإضاعة، ولذا لم يقل
أي شيء ضيعتموه؛ إذ معنى للفقد عَلَى ما اختاره ملائم لما ذكره، وإلا فالْمَعْنَى أي شيء
تعدمون كما ذكره البعض حيث قال: تقول فقدت الشيء إذا عدمته بأن ضل عنك لا بفعلك
والمآل واحد ماذا ضاع عنكم انتهى. والْمُصَنّف أَشَارَ إلَى حاصل الْمَعْنَى لا إلَى المفهوم من
المبنى فلا يرد إشكال الفاضل المحشي. فعلم منه أن الفقد أخص من العدم وأنهما قد
يستعملان متعديًا كما يستعملان لازمًا.
قوله: (والفقد غيبة الشيء عن الحس بحَيْثُ لا يعرف مكانه) عن الحس أي عن
البصر بحَيْثُ لا يعرف مكانه فالغيبة أعم من الفقد.
قوله: (قرئ «تَفْقُدُونَ» مِنْ أَفْقَدْتُه إذا وجدتَه فقيدا) فهمزة الإفعال للوجدان مثل أَبْخَلْتُه
أي وجدته بخيلًا قارئه عبد الرحمن السلمي ومعنى فقيدًا مفقودًا ولو قال هكذا لكان أبعد
عن الاشتباه.
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(72)
قوله: (قالُوا نَفْقِدُ) أي قال المؤذن ومن معه ونفقد حكاية الحال الْمَاضية لغرابته
إذ فقد صواع الملك مما يستغرب؛ إذ حفظته مما لا يعد.