قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ(13)
قوله: (بأن جاءهم مُوسَى بها) أي المجيء بها بواسطة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كما دل
عليه الترتيب بالفاء، والْمُرَاد بآياتنا المعجزات الْمَذْكُورة الظَّاهرَة في يد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
وهنا حذف إيجاز. والْمَعْنَى ولما أمرنا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بإظهار تلك الآيات العظام أظهرها
وجاءهم بها (فلما جاءتهم) الآية. وقد جاء الآيات بلا واسطة، ولذا قال بأن جاءهم مُوسَى بها
وإسناد المجيئة إلَى الآيات ليس بمجاز بل الْمَجَاز في الظَّرْف ؛ إذ المجيئة من خواص
الأجسام فجاء مجاز واسْتعَارَة لحصولها في وقته المقدر له، وأما الْقَوْل بأنه لم يقل جاءهم
مُوسَى بها لأنها كانت خارجة عن حيز طاقته وفي بعضها لم يكن منه عَلَيْهِ السَّلَامُ تصرف
عادي فسخيف جدًا لأن شأن المعجزة كونها خارجة عن طوق البشر بل شرطها ظهورها
على يد مدعي النبوة عند التحدي وعدم المعارضة لها وعدم تصرف عادي لو سلم لا يصر
كشق القمر مع أن أكثرها وقع بدعائه أو بإخبار وقوعه، والْقُرْآن معجزة لرسولنا عَلَيْهِ السَّلَامُ
مع أنه لم يكن منه عَلَيْهِ السَّلَامُ تصرف عادي .
قوله:(بينة اسم فاعل أطلق للمفعول، إشعارا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث
تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر)بينة هذا حاصل الْمَعْنَى اسم فاعل من البصر
بمعنى رأى وهذا ليس من شأن الآيات، ولذا قال أطلق للمَفْعُول أي مَجَازًا إما في
الطرف أو في الإسناد كقوله: (عيشة راضية) أي شبه النسبة إلَى
الْمَفْعُول بالنسبة إلَى الْفَاعل في كون كل منهما ملابسًا للفعل فاسْتُعيرَ ما هُوَ موضوع
للنسبة إلَى الْفَاعل للنسبة إلَى الْمَفْعُول .
قوله: (أو ذات تبصر بمعنى الإبصار) أي أنها ليست اسم فاعل بل بسَبَب كـ لابِن
وتامِر فلا مجاز لا في الطرف ولا في الإسناد والتبصر بمعنى الإبصار فإن تبصر يجيء
بمعنى أبصر أي التفعل يجيء بمعنى الإفعال .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بأن جاءهم موسى بها. والباء في بأن للسببية وفي بها للمصاحبة أو للتعدية .
قوله: اسم فاعل أطلق للمَفْعُول. يعني جعلت الآيات مبصرة وهي مبصرة فهو من الإسناد
المجازي أسند الإبصار إلَى الآيات وهو في الْحَقيقَة لذوي البصائر وهم إما كل أحد أو فرعون
وملؤه، فالْمَعْنَى ظاهره بينة كأنها لفرط ظهورها وانكشافها لأبصار الناظرين بحَيْثُ تكاد تبصر نفسها
لو كانت مما يبصر، ويبصر عَلَى لفظ المبني للفاعل .
قوله: أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي، وهو عَلَى هذه الوجه اسْتعَارَة مكنية شبهت الآيات في
جلائها وظهورها في نفسها وأنها بحَيْثُ يهتدي بها النَّاس بشخص يبصر بنفسها فيَهْدي النَّاس والهادي
يَنْبَغي أن يكون قادرًا عَلَى الاهتداء ليَهْدي [غيره] فإن العُميَ لا يقدرون عَلَى الاهتداء فضلًا أن يهدو
[غيرهم] فتشبيهها بالشخص المتبصر اسْتعَارَة مكنية وإثبات البصارة تخييل، ومنه قولهم: كلمة عيناء وكلمة
عوراء لأن الكلمة الحسنة ترشد والسيئة تغوي ونحوه قَوْلُه تَعَالَى:(لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ)فوصفها بالبصارة كما وصفها بالإبصار .