قَوْلُه تَعَالَى: (هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(56)
قوله: (في الدُّنْيَا) قيده به فإنهما في الدُّنْيَا لا إنكار لهما قطعًا وفَائدَة ذلك الإشَارَة
إلى الاستدلال بهما عَلَى القدرة عليهما في العقبى كما نبه عليه بقوله(فهو يقدر عليهما في
العقبى)أي يقدر عَلَى الإحياء يجمع الأجزاء الأصلية أو بإعادة المعدوم بعينه ثم الإماتة
لكن الإماتة لا تقع للنصوص الدَّالَّة عَلَى عدم فناء أصحاب الجنة وأهل النَّار. فمراد الْمُصَنّف
بيان القدرة عليهما في الْآخرَة والقدرة لا تستلزم الوقوع .
قوله: (لأن القادر لذاته) وكونه تَعَالَى قادرًا لذاته مبين في محله ومسلَّم عند الخصم
ومنكر البعث .
قوله: (لا تزول قدرته) لأن ما بالذات لا يزول لاقتضائه الذات .
قوله: (والمادة القابلة بالذات) أي بسَبَب الذات لا بالغير، وإنما قيده به إذ القابل
للشيء بواسطة الغير لا يلزم أن يكون قائلًا له إذا انتفى وساطة ذلك الغير، وأما القابل للشيء
بالذات فلعدم تخلف مقتضى الذات عنها فقابل له أبدًا ولصحة الحشر. مقدمة أخرى وهي
كونه تَعَالَى عالمًا بتلك المادة وبمواقعها لم يتعرض لها لعدم الإشَارَة إليها هنا في النظم
الجليل مع أن القدرة عَلَى جمع تلك المواد مستلزمة لعلم مواقعها وقد أوضح هذا المرام
في سورة البقرة في قَوْله تَعَالَى: (وَهُوَ بكُلّ شَيْءٍ عَليمٌ) .
قوله: (للحياة) أي لجمع الأجزاء المتفرقة والعظام البالية (والموت) قد عرفت وجه
ذكره وأنه لا يقع في الْآخرَة (قابلة لهما أبدًا) .
قوله: (بالموت) هذا هُوَ الْمُنَاسب لقوله (يحيي ويميت) فلذا قدمه .
قوله: (أو النشور) هُوَ الملائم لما يفهم من (يحيي ويميت) من
القدرة عَلَى البعث .
قَوْلُه تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدًى
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)
قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاس) الخطاب عام. وقيل لقريش. وجهه هُوَ ملاحظة
ارتباطه بما قبله ؛ إذ بعضه في بيان أحوال قريش (قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ) إسناد المجيء إلَى
الموعظة وأخواتها مجاز (من ربكم) متعلق بجاء أو ظرف مُسْتَقرّ صفة لـ موعظة وعلى
التقديرين ففيه مزيد ترغيب إلَى التمسك بهذا .
قوله: (أي قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية) أشار به إلَى أن الحكم بعد
ملاحظة العطف وإن الْمَعْطُوفات والْمَعْطُوف عليه يراد بها أمر واحد وهو الْقُرْآن وإن حسن
العطف بتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات فإن كون الْكتَاب موعظة مغاير لكونه شفاء
فعطف الشفاء عليها مع أن الْمُرَاد بهما واحد، وكذا الْكَلَام في البواقي، والْمُرَاد بالْحكْمَة
العملية ما هي وإن الْحكْمَة الخلقية داخلة فيها أم لا. قد عرفت فيما مَرَّ .