قوله:(الكاشفة عن محاسن الْأَعْمَال ومقابحها والمرغبة في المحاسن والزاجرة عن
المقابح)أي الْأَعْمَال الجارحة والقرينة المقابلة والكشف من قبيل كشف العلم للمعلوم فإن
الْمُرَاد بالْحكْمَة العملية العلم بالأمور التي وجودها باختيارنا ودلالة الموعظة عليها بطريق
الاقتضاء ؛ إذ هي الترغيب والترهيب وقد يطلق عَلَى الْكَلَام الذي يتحقق به الترغيب
والترهيب كما هُوَ الْمُرَاد هنا ولا شك أنه يتوقف عَلَى إدراك المحاسن والمقابح .
قوله: (والْحكْمَة النظرية) التي يكمل بها الْقُوَّة النظرية وهي العلم بالأمور التي
وجودها ليس بقدرته والغرض منها العلم فقط ليست ذريعة للعمل ولهذا قال(التي هي
شفاء لما)للأمراض التي (في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد) وهو اعتقاد خلاف
الواقع ولذا جعله مقابلًا للشكوك، ولما كان الظن ليس بمعتبر في باب الإيمان عند الْمُصَنّف
كَمَا صَرَّحَ به في قَوْله تَعَالَى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا) الآية. كان الشكوك
عامة له أَيْضًا ؛ إذ الشك قد يستعمل في مقابلة اليقين وإن اشتهر في الْمَعْنَى المُتَعَارَف ولما
سمى الشكوك والاعتقاد الباطل مرضًا مَجَازًا كان الشفاء مُسْتَعَارًا لإزالة تلك الشبه
(وهدى) أي هاد وعبر بالمصدر مُبَالَغَة .
قوله: (إلَى الحق) قدر الْمَفْعُول بلفظة إلَى للإشعار بأن الهداية هنا بمعنى الدلالة
على ما يوصل إلَى المطلوب (واليقين) والْمُرَاد بالحق إما الاعتقاد الحق فيكون اليقين
عطف تفسير أو مطلق الحكم المطابق للواقع فيكون اليقين التَّخْصِيص بعد التعميم للتنبيه
على إنافته (ورحمة للْمُؤْمنينَ) أي سبب رحمة أطلق عليه الرحمة للمُبَالَغَة(حيث أنزلت
عليهم)الْقُرْآن وإن نزل عَلَى نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ فهو منزل علينا أَيْضًا من حيث إننا مأمورون
بتفاصيل أحكامه متَعْبُدُونَ بعامة شرائعه .
قوله: (فنجوا بها) أي بالرحمة (من ظلمات الضلال إلَى نور الإيمان) وفيه إشَارَة إلَى
وجه تَخْصيص كونه رحمة بالْمُؤْمنينَ فإنهم انتفعوا به، وأما الْكُفَّار فلما لم ينتفعوا به لم يكن
رحمة لهم، وأما كونه موعظة وشفاء وهدى عامة لهم وللمجرمين. وقيل الموعظة والشفاء
للْمُؤْمنينَ والهداية بمعنى الدلالة مُطْلَقًا عامة وبمعنى الموصلة خاصة أَيْضًا انتهى. ولا يخفى
بُعده ؛ إذ معنى الموصلة ليس حال الْقُرْآن. قال الإمام رحمه الله: فالحاصل أن الموعظة إشَارَة إلَى
تطهير ظواهر الخلق عَمَّا يَنْبَغي وهو الشريعة والشفاء إشَارَة إلَى تطهير الأرواح عن العقائد
الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى إشَارَة إلَى ظهور الحق في قلوب الصديقين
وهو الْحَقيقَة والرحمة وهي إشَارَة إلَى كونها بالغة في الْكَمَال والإشراق إلَى حيث يصير
مكملة [للناقصين] وهي النبوة فهذه درجات عَقْليَّة ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ
الْقُرْآنية لا يكن تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخّر ذكره انتهى، وأنت خبير بأن الإناء
يترشح بما فيه ( [قَدْ] عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) وإن الآية الْمَذْكُورة مسرودة بالواو
دون الفاء وإن الواو لا تقتضي الترتيب وإن الْحكْمَة النظرية المشار إليها بقوله: (شفاء)
متقدمة عَلَى الْحكْمَة العملية المنفهمة من قوله: (موعظة) وإن