والفاء في قَوْله تَعَالَى: (فلا يظهر) لترتيب حصر إظهار الغيب(لمن ارتضى
من رسول)ونفي علمه عمن عداه رأسا عَلَى اخْتصَاص علم الغيب به تَعَالَى
(فلا يطلع) .
قوله: (أي عَلَى الغيب الْمَخْصُوص به تَعَالَى علمه) وهو الذي لا يدركه الحس ولا
يقتضيه بداهة العقل مع أنه لا ينصب عليه دليل هُوَ الْمُرَاد هنا، وأما الغيب الذي نصب عليه
دليل كأحوال يوم الْآخرَة والصانع وصفاته فلا يَخْتَصُّ علمه به تَعَالَى وهذا هُوَ الْمُرَاد بقوله:
(الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالْغَيْب) الآية. ومراده بقوله الْمَخْصُوص به علمه احتراز عن
ذلك (إلا من ارتضى) استثناء من أحد فهو متصل ولا مساغ لكونه منقطعًا
كما ذهب إليه البعض بناء عَلَى التَّخْصِيص وعدمه؛ إذ التَّخْصِيص متعين كما نبه عليه
الْمُصَنّف بقوله عَلَى الغيب الْمَخْصُوص به علمه، فلا وجه لقوله وعدمه.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)
قوله: (لعلم بعضه حتى يكون له معجزة) أي لعلم بعض الغيب بإظهار الله تَعَالَى فلا
ينافي ما سبق من قوله الْمَخْصُوص به علمه؛ إذ الْمُرَاد العلم بالذات علمًا يقينيًا كاملًا بلا
سبب من الْأَسْباب، فعلم الرَّسُول بسَبَب اطلاع الله تَعَالَى بالوحي أو بإلهام أو [بخلقه] علمًا
ضروريًا وعلم المنجمين بسَبَب القواعد وعلم الكهنة بإخبار الجن باستراق السمع كما نطق
به النص الكريم فلا منافاة أصلًا.
قوله: (بيان لـ مَن، واستدل به على إبطال الكرامات) وجه الاستدلال أنه تَعَالَى نفى علم
الغيب عن كل أحد ثم أثبت للرسول فلا يكون علم الغيب كرامة ولا قائل بالفصل وضعفه
ظَاهر. أما أولًا فلأن النظم الكريم لا يدل إلا عَلَى إبطال كرامة علم لا غير. والْقَوْل بأنه لا
قائل بالفصل ليس شيء في أمثال هذا المقام؛ إذ القائلون بصحة الكرامات ينفون كون بعض
خارق العادة كرامة لهم فهم قائلون بالفصل، ويرد عليه أَيْضًا أن بعض المعجزات مَخْصُوص
ببعض الْأَنْبيَاء عليهم السلام فهو منفي عن بعض آخر من الْأَنْبيَاء قال اللَّه تَعَالَى:(ولكل
قوم هاد)بنبي مَخْصُوص بمعجزات من جنس ما هُوَ الغالب فيهم فهل
يتجاسر أحد من العقلاء [أن يقول] إنه لا قائل بالفصل إلَى آخر الْكَلَام فما هُوَ جوابكم فهو
جوابنا. فظهر ضعف ما قيل إن إبطال سائر الخارق للعادة ثابت بدلالة النص عَلَى أن الخارق
للعادة ليس مساويًا لإظهار الغيب بل أقوى منه؛ إذ الأول قد يعرف بحدس ونحوه كما قيل.
ويمكن الْمُنَاقَشَة فيه فلا تغفل. ويمكن الْجَوَاب عنه بأن الغيب مَخْصُوص بوقت وقوع الْقيَامَة
بدلالة السياق. والرَّسُول الملك فإنه تَعَالَى يطلع عليه يوم تشقق السماء ونزل الْمَلَائكَة تنزيلًا
وهذا وإن كان خلاف الظَّاهر لكنه يكفي في مقام السند؛ إذ الخصم مستدل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي عَلَى الغيب الْمَخْصُوص به علمه. معنى التَّخْصِيص مُسْتَفَاد من إضافة الغيب إلَى
ذاته تَعَالَى.