الْمُشْركينَ، نهى عَمَّا بؤذبهما بعد الأمر بالإحسان بهما) لكنه لم يقيد بالكبر وبكونهما عنده
إذ وجوب الإحسان مقيد شرعًا باحتياجهما إليه وذلك بالعجز عن الكسب مع الفقر وذلك
في الغالب في حال الكبر، وأَيْضًا العادة كونهما في [منزله] حين يلزم عليه مؤنها. والْمَعْنَى إن
الإحسان بالوالدين واجب في وقت احتياجهما سواء كانا في منزلهما [أو لا] وسواء كانا يبلغان
الكبر [أو لا] ، وأما حرمة الأذى فلا يقيد بحال ولا بوقت وعن هذا نهى عن الإيذاء مُطْلَقًا ولم
يذكر أحدهما في النهي ليعلم حكمه بطَريق الأولوية. قوله نهى عَمَّا يؤذيهما بيان حاصل
معنى قوله (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) كما أن قوله بعد الأمر بالإحسان بيان معنى
قوله (وبالوالدين إِحْسَانًا) ولا يحسن أن يقال نهى عَمَّا يؤذيهما أي بقوله
ولا تنهرهما فإن الْمُصَنّف قال في تبيين معناه ولا تزجرهما عَمَّا لا يعجبك الخ.
قوله: (ولا تزجرهما عَمَّا لا يعجبك بإغلاظ) متعلق بتزجرهما(وقيل النهي والنهر
والنهم أخوات)أي متقاربة في الْمَعْنَى ففيها اسْتعَارَة، والْمُرَاد بالنَّهْم بفتح النون وسكون الهاء
فإنه بمعنى الزجر والمنع، وأما النَّهَم بفتح النون وفتح الهاء أَيْضًا فبمعنى شدة شهوة الطعام .
قوله: (بدل التأفيف والنهر) معلوم مما قبله لكن تركه أولى لأن البدل يقتضي السبق .
قوله: (قولًا) والْمُرَاد بالْقَوْل المقول فيراد به الجنس ومقول الْقَوْل وإن أريد به
المصدر يكون مَفْعُولًا مطلقًا .
قوله: (جميلًا) أي حسنًا والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله .
قوله: (لا شراسة فيه) تفسير له أي لا مخالفة فيه للطباع. وحاصله السالم من كل عيب .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا(24)
قوله: (تذلل لهما وتواضع ، وجعل للذل جناحًا) بين الْمَعْنَى الْمُرَاد أولًا ثم حاول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولا تزجرهما عَمَّا لا يعجبك. أي لا تزجرهما ولا تمنعهما عصا يتعاطياه مما لا يعجبك
بالإغلاظ أي بالغلظة قولًا وفعلًا متعلق بلا تزجرهما. قوله: لا شراسة فيه الشراسة سوء الخلق .
قوله: تذلل لهما وتواضع. خفض الجناح عبارة عن التواضع لأن الطائر إذا قصد الجو بسط
جناحه وإذا هم إلَى النزول خفض الجناح فشبه ما يتصور من الْإنْسَان في حال التواضع من
الانخفاض بما يشاهد من الطائر عند انحطاطه من الجو ثم كثر اسْتعْمَاله فيه حتى صار عبارة عن
التواضع، وأمَّا إضافة الجناح إلَى الذل فهي من إضافة الْمَوْصُوف إلَى الصّفَة أي جناحك الذليل
وهذا عَلَى طريقة الاسْتعَارَة المصرحة حيث استعمل في المشبه لفظ موضوع للمشبه به والقرينة
الخطاب للْإنْسَان ويجوز أن يكون من باب الاسْتعَارَة المكنية بأن يشبه الذل بالطائر ثم ذكر الذل
وأريد به الطائر وأثبت للذل ما له قوم الطائر الذي هُوَ المشبه به وهو الجناح عَلَى سبيل التخييل