الآية) تكرير للوعيد لأن ما مَرَّ عذاب الْآخرَة، والتَّعْبير بالْمَاضي لتحقق
وقوعه، كَمَا صَرَّحَ به. قوله وبيان الخ. تنبيه عَلَى أنه ليس بتكرير له فقط بل له فَائدَة أخرى
وهو بيان لما يوجب أي إعداد العذاب سبب للأمر بالتَّقْوَى وموجب التَّقْوَى. والفاء في
(فاتَّقُوا) تدل عليه، فالْمَعْنَى فاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال الأوامر والاجتناب عن النواهي حتى تنجوا من
العذاب الشديد؛ إذ اللب وهو العقل الكامل يقتضيه، وعن هذا قال: (يا أولي الألباب) .
قوله:(ويجوز أن يكون الْمُرَاد بالحساب استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحائف
الحفظةـ وبالعذاب ما أصيبوا به عاجلًا)ويجوز الخ. فـ [حِينَئِذٍ] صيغة الْمَاضي في بابها. وقوله عتت
صفة قرية لا خبر كما في الاحتمال الأول، و (أعد الله) خبر [لـ كَأَيِّنْ] وليس بتكرير للوعيد مرضه
لأن المحاسبة مُتَعَارَفة في الاستقصاء والمناقشة في الْآخرَة، وأما الاستقصاء في ذنوبهم فليس
المحاسبة شائعة فيه، والعذاب النكر متبادر في العذاب الأخروي.
قَوْلُه تَعَالَى: (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11)
قوله: (يعني بالذكر جبْريل عليه السلام لكثرة ذكره) فيكون وصفًا بالمصدر للمُبَالَغَة.
وقوله لكثرة ذكره إشَارَة إليه كرجل عدل قدمه؛ لأن فيه مدحًا له بأنه ذاكر ربه ذكرًا كثيرًا لا
يشغله عنه تدبير أمر الوحي وغيره مما أُمر بتدبيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويجوز أن يكون الْمُرَاد بالحساب. عطف عَلَى قوله: والْمُرَاد حساب الْآخرَة، فعلى هذا
يكون حاسبنا وعذبنا ماضيَين عَلَى ظاهرهما وقوله: (عتت) وما عطف عليه صفة
للقرية و (أعد الله) خبر [لـ كَأَيِّنْ] فإنه بمعنى كم الخبرية وعلى الأول عتت خبر [لـ كَأَيِّنْ] (وأعد الله)
تكرير وبيان. أقول: وجه صرف العذاب إلَى عذاب الْآخرَة عَلَى الوجه الأول وإلى
عذاب الدُّنْيَا عَلَى الثاني إن عتت عَلَى الثاني صفة واتصاف أهل القرية بالعتو يكون سببًا لتعجيل
العقوبة عليهم كما قال عز وجل: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا
الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) .
قوله: يعني بالذكر جبْريل لكثرة ذكره. ذكر رحمة الله في لفظ ذكرًا إذا أُريد به جبْريل وجوهًا
أربعة. الوجه الأول مبني عَلَى أن يكون من باب الإشَارَة سمي به جبريل؛ لأنه لكثرة ذكره كان كأنه
ذكر مصور فأبدل منه رسولًا بدل الكل. والوجه الثاني والثالث من باب الْمَجَاز الْمُرْسَل فإن كانت
العلاقة السببية فهو الوجه الثاني فإنه أطلق اسم المسبب عَلَى السبب وإن كانت اللزوم فهو الوجه
الثالث من باب إطلاق اللازم عَلَى الملزوم وإطلاق المصدر في كل مَوْضع عَلَى الْمَفْعُول من هذا
القبيل. والوجه الرابع عَلَى أن يكون ذكرًا بمعنى شرفًا فإن جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ ذو شرف ومجد فقوله
أو ذو ذكر عطف عَلَى خبر إن في قوله أو لأنه مذكور في السَّمَاوَات ما وجد في بعض النسخ أو ذا
ذكر فمشوش لأنه إن كان معطوفًا عَلَى جبْريل يكون الْمُرَاد به غير جبْريل فيشكل عطف قوله أو