والنظر للتنبيه عَلَى أن انتفاء العلم بسَبَب انتفاء النظر. قوله لعلمتم ذلك جواب لو أي لعلمتم
أن الأجل إذا جاء عَلَى الوجه المقدر به آجلًا ذلك. أي عدم تأخّره بل لا بد من الموت فيه
لكنكم لا تَعْلَمُونَ ذلك لانتفاء العلم والنظر فتوجه الإشكال بأن أحدًا لا ينكر الموت فدفعه
بقوله كأنهم شاكون في الموت لانهماكهم الخ. فلما انتفى موجب العلم وهو الإعراض عن
حب الحياة والتهيؤ للموت نزل علمهم به منزلة عدم العلم به كما يقال لتارك الصلاة
الصلاة واجبة. جمع بين صيغتي الْمَاضي والْمُضَارِع للدلالة عَلَى اسْتمْرَار النفي المفهوم من
لو فإنه يجعل المثبت منفيًا وبالعكس، وهذا من خواص كان حَيْثُ يصح جمعه مع الْمُضَارِع
لإفادة الدوام. صرح به في المطول. وهنا لدوام النفي بأن يلاحظ النفي أولًا ثم الدوام ثانيًا لا
لنفي الدوام بعكس الملاحظة الْمَذْكُورة لبعده عن المقام.
قَوْلُه تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5)
قوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلَى الإيمان) قال اسْتئْنَاف لسؤال نشأ كما قبله فإن
قوله: (لو كنتم تَعْلَمُونَ) يدل عَلَى أنهم لم يطيعوه فماذا قال عَلَيْهِ السَّلَامُ [حِينَئِذٍ] ؟
فأجيب بذلك.
قوله: (أي دائمًا) لأن مثله كناية عن الدوام لكن الْمُرَاد بالدوام الدوام العرفي فإن
الحقيقي لا إمكان له.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا(6)
قوله: (عن الإيمان والطاعة. وإسناد الزّيَادَة إلَى الدعاء عَلَى السببية كقَوْله تَعَالَى:
(فَزادَتْهُمْ إِيمانًا) وإسناد الزّيَادَة أي مجاز عقلي والْفَاعل الحقيقي هُوَ الله
تَعَالَى والدعاء سبب جعلي لا حقيقي لأن سببه في نفس الأمر الإجابة كقوله: (فَزادَتْهُمْ إِيمانًا)
ولو قال كقوله (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا) لكان أطبق بالمقام وهذا
الخبر للاشتكاء إلَى الله تَعَالَى إما مَجَاز مُرْسَل لكونه لازمًا له أو إنشاء لإظهار الشكوى
وقس عليه أمثاله.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ
وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)
قوله: (وإني كلما دعوتهم إلَى الإيمان والطاعة. [لِتَغْفِرَ لَهُمْ] . بسببه) (وإني كلما دعوتهم) عطف
على أني دعوت، والْمُرَاد بالْمَعْطُوف عليه إظهار الشكوى لفرارهم وتماديهم فيه
وبالْمَعْطُوف بعدم إصغائهم إلَى دعائهم إلَى الإيمان وكراهة النظر إليه فلا يكون من
عطف المفصل عَلَى المجمل وأقحم هنا كلما وذكر ليلًا ونهارًا هناك للتفنن، وذكر هنا
قوله: لتغفر لهم دون هناك؛ لأن الظَّاهر أن الدعوة هنا بالْمُوَاجَهَة بلا فرار فذكر الْمَغْفرَة
فيه تشويق إلَى الإيمان بخلاف وقت الفرار.