قوله تَعَالَى: (فَمَنْ خافَ منْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَيْه إنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحيمٌ (182)
قوله: (أي توقع وعلم من قولهم أخاف أن ترسل السماء) أصل الخوف توقع مكروه
بسَبَب أمارَة مظنونة أو معلومة فلما لم يكن للخوف من الميل والإثم بعد الإيصاء معنى
حمله عَلَى الْمَجَاز عن العلم لأنه سبب الخوف كما عرفته، فذكر المسبب وأريد السبب
وذكر توقع ظاهره ينافي العلم ؛ إذ التوقع إنما يستعمل قبل الحصول والعلم بعد الوصول
فالْمُرَاد به هنا الظن، وفي الكَشَّاف وهذا في كلامهم شائع يقولون أخاف أن يرسل السماء
يُريدُونَ التوقع والظن الغالب الجاري مجرى العلم، فإن حمل الواو في قوله وعلم عَلَى
معنى أو، فالْمَعْنَى فمن ظن أو علم يقينًا، وإن حمل عَلَى ظاهره، فالْمَعْنَى فمن ظن بالظن
الغالب الجاري مجرى العلم، كما لوح إليه الشيخ الزَّمَخْشَريّ فيفيد أن الحكم في صورة
العلم اليقيني بطَريق الأولى (وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر مُوَصٍّ مشددًا) .
قوله: (ميلًا بالخطأ في الوصية) وإنَّمَا فسر الجنف بالميل عن الخطأ ليظهر التقابل
بالإثم ولم يعكس لأن الإثم إنما يكون بالقصد، والجنف عام للجور العمد أَيْضًا، لكن خص
بالخطأ بقرينة التقابل، وأخّر الإثم لرعاية صنعة الترقي، وللتنبيه عَلَى أن تعمد الجور في
الوصية لا يَنْبَغي أن يقع من الموصي فإن وقع فإنما يقع بالخطأ، وفيه ما لا يخفى من
المُبَالَغَة، والتَّنْوين في الموضعين للتحقير، فما ظنك بعدم الإثم في صورة الجور الكثير .
قوله: (تعمد اللحيف) .
قوله: (بين الموص لهم بإجرائهم عَلَى نهج الشرع) أي الوالدين والأقربين أو بين
الموصى لهم والورثة بردهم إلَى الحق، وجاز إضمارهم لانفهامهم من سياق الكلام بمعونة
المقام كذا قيل. والأولى الاحتمال الأول لكونهم مذكورين في قوله تعالى: (للوالدين)
الآية. [وهذا] بعبارة النص ويثبت بدلالة النص جواز تبديل الوصية في
الوصية مُطْلَقًا المشار إليها بقوله (من بعد وصية) الآية.
قوله: (في هذا التبديل لأنه تبديل باطل إلَى حق بخلاف الأول) بإضافة تبديل إلَى
باطل إلَى حق عُدي بـ إلى لتضمنه معنى التغيير. وأصل التعدية بالباء بخلاف الأول فإنه تبديل
حق بباطل فإن الْمُرَاد من قوله فمن بدله أي فمن بدل الإيصاء عَلَى نهج الشرع بمعونة
المقابلة لقوله: (فَمَنْ خافَ منْ مُوصٍ) الآية. وإن أمكن تعميمه إلَى ما هُوَ خلاف الشرع .
قوله: (وعدٌ للمصلح) بالْمَغْفرَة والرحمة فإن قَوْلُه تَعَالَى: (فإنَّ اللَّهَ غفور)
الخ. جملة تذليلية مسوقة لتقرير ما قبلها فلذا أكد بأن واخْتيرَ لفظة الله تربية للمهابة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ميلًا بالخطأ الخ. حمل (جَنَفًا) عَلَى ما وقع من الموصي خطأ، وإنما عَلَى ما وقع منه
عمدًا تحرزًا عن التكرار .