قوله:(أو أنه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته ولا تقبضوا كل القبض
ولا تبسطوا كل البسط)أو أنه تَعَالَى [يبسط] تارة لبعض العباد ويقبض لذلك البعض أو لبعض
آخر فاستنوا بسنته فاسلكوا طريقه وتخلقوا بأخلاقه تَعَالَى، وفيه نوع مخالفة للوجه الذي
يليه لأن الوجه الأول يدل عَلَى أنكم لا تستنوا بسنته تَعَالَى في التوسيع والتضييق فإنهما من
الأمور المختصة به تَعَالَى، ولذا قيل لا يتم هذا الوجه إلا إذا اعتبر في يبسط ويقدر معنى
مراعاة أوسط الحالين كما اعتبره جار الله فـ [حِينَئِذٍ] لا يتناول البسط كل البسط والتقتير المفرط مع
أن الاستقراء شاهد عَلَى وقوعهما، فلذا أَشَارَ إلَى ضعفهما فيكون قوله (إنه كان) الآية. تعليلًا
للأمر بالاقتصاد بقوله (ولا تجعل يدك) في هذا الوجه والذي قبله وهو بعيد لأن الظَّاهر أنه
تعليل لقوله (إن ربك يبسط الرزق) الآية. لقربه لفظًا ومعنى .
قوله: (وأن يكون تميهدًا لقَوْله تَعَالَى(ولا تقتلوا) الآية) لأنه إذا
كان القبض والبسط له تَعَالَى لا يَنْبَغي للعاقل أن يخشى الفقر كما لا يَنْبَغي أن يتمنى الغناء
فمن شاء الله تَعَالَى فقره كان فقيرًا ألبتة سواء قتل أولاده أو لا، ومن شاء غناءه كان غنيًا
سواء قتل أولاده أو لا، وبهذا البيان يظهر كونه تمهيدًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْئًا
كَبِيرًا (31)
قوله:(مخافة الفاقة، وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه وضمن
لهم أرزاقهم فقال: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ)الآية) هُوَ وأْدهم بناتهم وهو الدفن حية
مخافة الفقر وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق أو لحوق العار بهم من أجلهن. وأشار
بالبنات إلَى أن الْمُرَاد بالأولاد البنات لا مطلق الأولاد لكن مخافة الفقر تقتضي العموم. نعم
لحوق العار بهم يوجب تَخْصيص البنات نهى القتل مطلق وقيد خشية إملاق تنبيه عَلَى قبح
صنيعهم فإنهم كانوا يَفْعَلُونَ ذلك فلا مفهوم اتفاقًا .
قوله: (نحن نرزقهم وإياكم) قدم رزق الأولاد لأن المخاطبين هنا للأغنياء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو أنه عطف عَلَى أن يريد. ومعنى هذا الوجه أن الله تَعَالَى إذا بسط لعباده أو قبض فإنه
يراعي أوسط الحالين لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبص عليه أقصى مكروهه فاستنوا بسنته .
قوله: وأن يكون تمهيدًا. عطف عَلَى أن يريد أو عَلَى ما عطف عليه أي أو أن يكون تمهيدًا
وتخلصًا إلَى ذكر قوله عز وجل: (ولا تقتلوا) كأنه قيل بسط الرزق وقبضه إنما هما
بمشيئة الله تَعَالَى يبسطه لِمَنْ أَرَادَ بسطه له [ويقبض] لِمَنْ أَرَادَ قبضه عليه عَلَى وفق الْحكْمَة والمصلحة
لكم ولا تقتلوا أنتم أولادكم مخافة فقر فإنَّ اللَّهَ إن أراد فقركم فلا يغني عنه قتل أولادكم، وإن أراد سعة
الرزق لكم، فلا وجه لقتل أولادكم مخالفة الفقر ؛ إذ يصل إليكم ما أراده من الرزق ألبتة .