قوله: (ولكنهم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ باقتراف أسبابه) أي باكتساب أسبابه وهي إبطال استعدادهم
واختيارهم) الكفر والضلال، ولما كان طرق الضلالة وأسبابها متعددة جمع الْأَسْباب .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (45)
قوله: (يستقصرون مدة [لبثهم] ) فإنهم لما ضيعوا أعمارهم التي هي كرأس الأموال ولم
ينتفعوا بها كان وجود ذلك العمر كالعدم فعلم أن الْمُؤْمنينَ لانتفاعهم بعمرهم لا يستقلون .
قوله: (في الدُّنْيَا) وهو الراجح ولذا قدمه (أو في القبور) ولا يخفى أن حال الْمُؤْمنينَ
كحال الْمُشْركينَ في أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلَى وقت الحشر كما نقله
الإمام. فيجب أن يحمل عَلَى أمر يَخْتَصُّ بالْكُفَّار وهو الوجه الأول كما بيناه ويؤيده نوع
التأييد قوله: (من النهار) وينكشف سر ذكر قوله: (من النهار)
بعد قوله: (إلا ساعة) .
قوله: (لهول ما يرون) تعليل لاستقصارهم في الدُّنْيَا أو في القبور لأنهم لما شاهدوا
من أهوال الْآخرَة شدة بحَيْثُ تجعل الولدان شيبًا مع عدم تداركهم لها وعدم صرف
أعمارهم في الدُّنْيَا إلَى دفع تلك الأهوال والخلاص عن كربة السؤال استقلوا مدة لبثهم في
الدُّنْيَا لإلحاقهم أعمارهم الموجودة لعدم غنائه بالمعدوم، وأَيْضًا لما شاهدوا الطامة الكبرى
تمنوا بقاءهم في القبور مع كونهم معذبين أشد العذاب في القبور قال تَعَالَى:(قَالُوا يا
ويلنا من بعثنا من مرقدنا)هذه الآية. ولهذا يعدون مكثهم فيها قصيرة فعلم من
هذا البيان أن العلة ليست لمجرد الهول وإلا لكان حال السعداء كَذَلكَ بل معنى ملاحظة
إضاعة أعمارهم فيما لا يعنيهم فلا منافرة بين ما نقلناه من العلة وبين ما ذكره الْمُصَنّف .
قوله: (والْجُمْلَة التشبيهية قبله في موقع الحال) أي مَفْعُول نحشرهم(أي
نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة)والمشبه به لا يجب أن يكون محققًا بل يكفي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والْجُمْلَة التشبيهية في مَوْضع الحال. قال أبو البقاء: (كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)
حال والعامل فيها (نحشرهم) وكأن خففة من الثقيلة واسمها
مَحْذُوف أي كأنهم من النهار نعت لساعة. ويتعارفون حال أخرى مقدرة والعامل (نحشرهم)
لأن التعارف لا يكون حال الحشر والعامل في يوم نحشرهم اذْكُرُوا .
قوله: أو بيان لقوله: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) وجه كونه بيانًا له أن التعارف بينهم
إنما يكون إذا لم يلبثوا زمانًا طويلًا لأن طول الزمان يورث النسيان بينهم، والنسيان ينافي التعارف.
قوله: وهو حال أخرى مقدرة، وإنَّمَا حمله عَلَى الحال المقدرة لأن التعارف لا يحصل وقت حدوث
الحشر بل يكون بعد الحشر واجتماع بعضهم مع بعض فكأنه قيل: ويوم نحشرهم مقدر تعارفهم
بينهم. قوله: أو متعلق الظَّرْف عطف عَلَى حال أو عَلَى بيان .