قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ
الْعالَمِينَ (42)
قوله: (كلموها شفاهًا كرامة لها) صيغة الجمع لورودها كَذَلكَ في النظم وإلا
فالظَّاهر أن المتكلم جبرائيل وقد مَرَّ بَيَانُهُ آنفًا. كرامة لها وهو دليل عَلَى جواز الكرامة
للأولياء .
قوله: (ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كانت معجزة زكريا) يرد عليه أن المعجزة ما
ظهر [على] يد مدعي النبوة وهنا ليس كَذَلكَ، ولعل لهذا قال أو إرهاصًا لنبوة عيسى عليه
السلام. والحاصل أن عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يولد [حِينَئِذٍ] ففي كونه إرهاصًا لنبوته نوع بُعد
ولضعفه قال زعم فالظَّاهر أن ذلك الإرهاص تأسيس النبوة بظهور الخوارق [كإظلال]
الغمام لنبينا - صلى الله عليه وسلم - في طريق الشام وتكلم الحجر معه .
قوله: (أو إرهاصًا لنبوة عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فإن الْإجْمَاع) أي قبل ظهور المخالفين فلا
إشكال بأن دعوى الْإجْمَاع ليست بصحيحة لأنه ذهب إليه كثير من السلف ومال السبكي وابن
السيد إلَى ترجيحه (عَلَى أنه تَعَالَى لم يستنبئ امرأة لقَوْله تَعَالَى(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا)
الآية. والإرسال منه بالْمَعْنَى اللغوي وهو البعث بقرينة (نوحي إليهم)
إذ الإرسال حصر عَلَى رجال مَوْصُوفين بالوحي إليهم فلو لم يكن الإرسال
بمعنى الاستنباء مُطْلَقًا لاختل الحصر، فمن وهم أن الإرسال هنا أخص من الاستنباء فقد وهم.
فظهر من هذا البيان ضعف ما ذهب إليه السبكي وابن السيد بل لا يبعد أن يقال إن الْمُفَسّرينَ
أجمعوا عَلَى أن الإرسال في نحو هذه الآية بمعنى الاستنباء واستدلوا بها عَلَى أنه لم يرسل
امرأة ولا ملك للدعوة العامة، والتَّفْصيل في سورة النحل وحكمته في سورة الأنعام .
قوله: (وقيل ألهموها) الإلهام إلقاء [الخبر] في قلب الغير بلا استفاضة فكرية منه وهذا
معناه العرفي وفي اللغة الإعلام مُطْلَقًا مرضه ؛ إذ الْقَوْل حَقيقَة في التَّكَلُّم ولا صارف عنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو إرهاصًا لنبوة عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ. الإرهاص من الرهص وهو [الشق] الأسفل من
الجدار وفي الاصْطلَاح أن يتقدم عَلَى دعوى النبوة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وتكلم الحجر والمدر وغير ذلك. وصاحب الكَشَّاف لم يتعرض إلَى احتمال كونه كرامة لمريم بل
أداره بين كونه معجزة زكريا أو إرهاصًا لنبوة عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لأنه ممن شكر كرامات الأولياء .
قوله: فإن الْإجْمَاع تعليل لكون تكليمهم شفاهًا كرامة لمريم لا معجزة
قوله: لم يستنبئ امرأة أي لم يجعلها نبيًا.
قوله: وقيل ألهموها عطف عَلَى كلموها .