مَوْصُوف بالإيمان فمن ادعى ذلك فعليه البيان بالبرهان ومن هذا قال صاحب الذخيرة: قد
عثرنا عَلَى رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تَعَالَى أن الرضى بكفر الغير كفر من غير تفصيل
انتهى. ومحله من لم يعلم عاقبته، فالأولى أن يحترز عن مثل هذا الأمر المختلف فيه مع
انتفاء الدليل المفيد للظن فضلًا عن اليقين. قيل فنفيه اختلاف لكن الأول يعني جواز الدعاء
الْمَذْكُور هُوَ المنقول عن الماتريدي، وأما الرضى بكفر نفسه فكفر بلا شبهة .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ(89)
يعني (مُوسَى وهارون عليهما السلام) .
قوله: (لأنه) أي هارون (كان يؤمن) أي كان يقول آمين لدعاء مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
ومعنى آمين استجب فهو دعاء بالاستجابة أَيْضًا لكن دعاء مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عليهم عَلَى
التعيين والتَّفْصيل، ودعاء هارون عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الإجمال والتجميل، وبهذا أندفع الإشكال
بأن الداعي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فما وجه قوله: (قد أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) غايته
أن دعاء هارون عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يذكر أولًا واكتفى بدعاء صاحب الشريعة .
قوله: (فأثبتا عَلَى ما أنتما عليه) هذا معنى لغوي للاستقامة وإلا فلا يلائم ما ذكره
الْمُصَنّف من الْمَعْنَى الشرعي في مواضع عديدة ولو حملها عليه كما في قَوْله تَعَالَى خطابًا
لنبينا المجتبى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) الآية. لكان له وجهأ
وجيهًا ومعنى لطيفًا .
قوله: (من الدعوة) أي من الدعوة إلَى الإيمان والتوحيد فإنهم وإن علم أنهم هالكون
على الكفر حيث أجيبت الدعوة بذلك لكن أُمرَا بالثبات عَلَى تلك الدعوة لئلا يبقى لهم
معذرة واحتجاج ما، ومعلومية الموت عَلَى الكفر لا ينافي التكليف بالإيمان ولا يلزم
التكليف بالمحال كما حقق في قصة أبي لهب وقد أوضحه أئمة الأصول (وإلزام الحجة) .
قوله: (ولا تستعجلا) مُسْتَفَاد من الأمر بالثبات عَلَى الدعوة ؛ إذ الاستعجال لا يلائم
الثبات عَلَى ذلك (فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته) .
قوله: (روي أنه) أي فرعون ولا يحسن إرجاعه إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ(مكث فيهم
بعد الدعاء أربعين سنة) (طريق الجهلة في الاسْتعْمَال) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأنه كان يُؤَمِّن. أي لأن هارون يُؤَمِّن أي يقول آمين عند دعاء مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قوله: هذا
جواب سؤال مقدر تقديره كان مقتضى الظَّاهر أن يقال: قد أجيبت دعوتك لأن الداعي هو موسى عليه
السلام وحده لكن خولف مقتضى الظاهر. وقيل دعوتكما عَلَى التنبيه لأن هارون كان يُؤَمِّن وقت دعاء
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فكان هارون شريكًا لمُوسَى في دعائه بتأمينه له فلذا قيل أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا .
قوله: طريق الجهلة في الاستعجال وعدم الوثوق فإن الاستعجال وعدم الوثوق بحصول
المطلوب عند وجود الدليل عَلَى حصوله شأن الجهال والدليل عليه هَاهُنَا صدق المخبر فإنه تَعَالَى
قال (قد أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) فعند هذا لا بد لعاقل أن يجزم بالاستجابة .