قوله: (ويجوز أن يكون حالًا من الْكتَاب) عَلَى أن يكون حالًا مترادفة إن اعتبر لا ريب
حالًا عنه وإلا فيكون لا ريب اعتراضًا أيضًا ويتضح منه جواز كونه حالًا من (الذي بين يديه)
فإنه أَيْضًا مَفْعُول في الْمَعْنَى للتصديق وإن كان مضافًا إليه. غاية الأمر إنه حِينَئِذٍ يكون مدحأ
للكتب المتقدمة ولا ضير فيه، وإنَّمَا قال يجوز هنا تنبيهًا عَلَى ضعفه بالنسبة إلَى أخواته.
قوله: (أو الضَّمير في فيه) لكونه مَفْعُولًا فيه ووقوع الحال من الْمَفْعُول فيه لا يساعد
بعض عبارات النحاة من غير تأويل ولذا أخَّره من كان مآلهما واحدًا.
قوله: (ومساق الآية) أي سوقها (بعد المنع عن اتباع الظن) لقوله:(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا
ظَنًّا)الآية. فإن ظاهره وإن كان نفيًا لكنه نهي في الْمَعْنَى ولذا قال بعد المنع.
قوله: (لبيان ما يجب اتباعه) خبر مساق الآية وما يجب اتباعه هُوَ الْقُرْآن والوجوب
مستفاد من قوله: (وما كان هذا الْقُرْآن أن يفترى) الآية؛ إذ نفي الافتراء
والحكم عليه بأنه منْ عنْد اللَّه تَعَالَى يدل عَلَى الوجوب دلالة التزامية (والبرهان عليه) بأنه
مصدق للكتب المتقدمة وشاهد عَلَى صحتها فهو أولى بالصحة وبأنه لا ريب فيه. وهذا
برهان قاطع عَلَى وجوب اتباعه وغرض الْمُصَنّف بهذا بيان ارتباط هذه الآية بما قبلها.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ
كُنْتُمْ صادِقِينَ (38)
قوله: (بل [أيقولون] افْتَراهُ مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عليه وسلم) أشار به إلَى أن أم منقطعة
وهي مؤولة بـ بل والهمزة وكلمة بل انتقالية والهمزة للإنكار ولذا قال (ومعنى الهمزة للإنكار)
أي للإنكار الواقعي لا لإنكار الوقوع فإن هذا الْقَوْل واقع منهم. والْمَعْنَى عَلَى الإنكار
الواقعي ما كان يَنْبَغي أن يكون كَذَلكَ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ أي ضمير افترى راجع إلَى النَّبيّ
عَلَيْهِ السَّلَامُ لأنه هُوَ المبلغ للقرآن فكان معلومًا مذكورًا حكمًا. وقيل أم متصلة ومعادلها
مقدر أي أيقرون به أم يقولون افتراه وهذا تكلف. وقيل استفهامية. وقيل عاطفة بمعنى الواو
والكل تكلف بل تعسف.
قوله: (في البلاغة) أي المطابقة لمقتضى الحال وهذا لا يستلزم حسن النظم كما فهم
قوله: تصديقًا للذي بين يديه وتفصيلًا للكتاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ومساق الآية. وهي قوله عز وجل: (وما كان هذا الْقُرْآن) الخ. لبيان ما
يجب اتباعه بعد المنع عن اتباع الظن بقوله (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) ولإقامة البرهان عَلَى ما
يجب اتباعه وهو الْقُرْآن وكون هذه الآية برهانًا عَلَى صدق الْقُرْآن هُوَ دلالته عَلَى كونه مُصَدِّقًا لغيره
من الكتب الْإلَهيَّة المتقدمة، ولا يكون الشيء مصدقًا لغيره إلا إذا كان هُوَ صادقًا في نفسه ثابتأ
صدقه بقاطع وصدق الْقُرْآن ثابت بقاطع وهو إعجازه ببلاغته وإخبار الصادق الثابت ثبوته بالمعجزة
بأنه من الله لقوله: (ولكن تصديق الذي بين يديه) نازل منزلة البرهان عَلَى أنه حق
منزل منْ عنْد اللَّه لا مفترى ومختلق من غيره.