إنه منقطع ولا يظهر له وجه وجيه (فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) الفاء جزائية أي إذا كان الأمر
كَذَلكَ (فما لكم) مبتدأ وخبر والاسْتفْهَام للإنكار الوقوعي والإبطالي.
قوله: (كَيْفَ تَحْكُمُونَ بما يقتضي صريح العقل بطلانه) كلمة كَيْفَ في مَوْضع الحال
من ضمير تحكمون قدم عليه لاقتضائه الصدارة في الأصل وإن انسلخ عنه معنى الاستفهام
والْمَعْنَى أي شيء في اتخاذ هَؤُلَاء العاجز حاصل لكم حال كونكم حاكمين مكيفين بكيفية
مَخْصُوصة في الظن الناشئ من الحكم الذي يقتضي صريح العقل بطلانه هكذا بين الفاضل
الرومي مَوْلَانَا حسن جلبي في مثل هذا في قول صاحب التوضيح: كالاتصال في معنى
المشروع كَيْفَ شرع أو حال متعلق بمَحْذُوف. والْمَعْنَى فما لكم مقولًا لكم لأي شيء
تحكمون خلاف بديهة العقل، أو اسْتفْهَام آخر ذكر بعد الاسْتفْهَام للتعجيب بعد التعجيب.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ(36)
قوله: (فيما يعتقدون) قرينة هذا القيد كون الْكَلَام في بيان اعتقادهم الكاسد مع أن
المذموم اتباع الظن في الاعتقاد لا في العمل.
قوله: (مستندًا إلَى خيالات فارغة) أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بالظن الظن الناشئ من
التخيلات الفاسدة.
قوله: (وأقيسة فاسدة) وهذا بيان الواقع وإلا فمطلق الظن في باب الاعتقاد غير جائز
في مذهب الْمُصَنّف كما سيشير إليه.
قوله: (كقياس الغائب عَلَى الشاهد والخالق) وهو الْمُرَاد بالغائب(عَلَى
المخلوق)وهو الْمُرَاد بالشاهد أي الحاضر المحسوس(بأدنى مشاركة موهومة، والْمُرَاد
بالأكثر الجميع).
قوله: (أو من ينتمي منهم إلَى تمييز ونظر) فحِينَئِذٍ الْمُرَاد بالأكثر معناه الحقيقي (ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: (كَيْفَ تحكمون) بما يقتضي صريح العقل بطلانه وهو حكمهم بأن الأصنام أنداد للَّه.
قوله: (فيما يعتقدون) أي فيما يعتقدون من أن الأصنام آلهة وشفعاء عند الله عز وجل.
قوله: والْمُرَاد بالأكثر الجميع يعني أن جميعهم يتابعون الظن في اعتقادهم ذاك قال صاحب
الفرائد: يمكن أن يقال: لما كان عاقبة بعضهم الإيمان باتباع العلم ذكر الأكثر. وقال الطيبي رحمه الله:
هذا مجاز باعتبار ما يؤول وهو بعيد بل يمكن أن يقال إن في إطلاق الأكثر فَائدَة وهي ما يشعر به
أن القائلين متفاوقون في جحد الحق فمنهم من كان شاكًا فيه، ومنهم من علم ولكن عاند وكابر
وأكثرهم اتبعوا الظن. ويؤيده ما سبق من قوله إنهم لا يدعهم لجاجهم أن ينطقوا بكلمو الحق، وأما
إطلاق الأكثر عَلَى الجميع كاسْتعْمَال القليل للعدم كما في قول الشاعرة
قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث من غد
قال المرزوقي: نفس أنواع التشكي كلها عنه. وعلى هذا قَوْلُه تَعَالَى: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ)
وحمل النقيض عَلَى النقيض حسن وطريقة مسلوكة.