أَشَارَ إلَى أن الأمر للتعجيز والتبكيت إلَى التسجيل أي إضراب عن المهم إلَى الأهم. الظَّاهر
أنه مَعْطُوف عَلَى جملة هذا خلق اللَّه الخ. لا عَلَى أروني فقط. قوله الذي لا يخفى مُسْتَفَاد من
وصفه بالمبين. قوله مَوْضع المضمر وهو أنتم لقوله: فأروني للدلالة عَلَى أنهم الخ.
فالالتفات للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة البينة الصادقة لامتناع أن يفهموا
منها شَيْئًا لكونهم صمًا وعميانًا فلا يهتدوا به إلَى العلم ببطلان ما تمسكوا به، فلا فَائدَة في
الخطاب سوى العتاب فالأحسن الإعراض عن الخطاب ؛ إذ الإلزام والتبكيت يتوقف عَلَى
الفهم والإدراك في قوله ظالمون بإشراكهم إشَارَة إلَى أن الشرك ظلم عظيم وافتراء جسيم.
وفي قوله: (في ضلال مبين) مُبَالَغَة عظيمة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)
قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) يعني لقمان بن باعوراء من أولاد
آزر ابن أخت أيوب أو خالته، وعاش حتى أدرك داود عليه الصلاة والسلام وأخذ منه العلم
وكان يفتي قبل مبعثه) (ولقد آتينا) أي وبالله لقد أعطينا من فضلنا لقمان
الْحكْمَة ولذا قال لابنه ما قاله. هذه جملة مُسْتَأْنَفَة مسوقة لبيان قبح الشرك وبطلانه وبهذا
يظهر ارتباطه بما قبله. باعوراء بعين مهملة ممدودة هُوَ اسم عبراني من أولاد آزر ابن أخت
أيوب احتراز عن آزر أبي إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ، لكن هذا أحد الأقوال. وأخذ أي دَاوُود منه أي
من لقمان العلم وكان لقمان يفتي قيل مبعث دَاوُود فلما بعث دَاوُود قطع الفتوى.
قوله: (والْجُمْهُور عَلَى أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًا) أما كونه حكيمًا فثابت بالنص
وأما عدم كونه نبيًّا فغير مقطوع به وعدم ذكر إيتاء النبوة لا يوجب نفي النبوة. وما روي عن
ابْن عَبَّاسٍ رضي الله تَعَالَى عنهما أن لقمان لم يكن نبيًا ولا ملِكًا ولكن كان راعيًا أسود
فرزقه الله العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في الْقُرْآن ليتمسكوا بوصيته فلا يفيد
القطع. وقال عكرمة والشعبي: كان نبيًا. وفي الكَشَّاف بيان منقبته بحيث يفهم منه الاقتداء
حسبما أمكن الاقتداء وجزم الْجُمْهُور بعدم نبوته لم يظهر لنا دليل عليه.
قوله: (والْحكْمَة في عرف العلماء: استكمال النفس الإِنسانية باقتباس العلوم النظرية،
واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داوود
شهورًا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس
الحرب أنت فقال: الصمت حكم وقليل فاعله، وأن داوود عليه السلام قال له يومًا كيف أصبحت فقال
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله. فقال الصمت حكم وقليل فاعله. قال الميداني: الحكم الحكمة ومنه قَوْلُه تَعَالَى
(وآتيناه الحكم صبيًا) ومعناه اسْتعْمَال الصمت حكمة ولكن قلَّ من يستعملها. وقيل
خُيِّر لقمان بين النبوة والْحكْمَة فاختار الْحكْمَة. قال صاحب الانتصاف: وفيه بُعد بين فإن الْحكْمَة
قطرة من بحر النبوة وأعلى درجات الْحكْمَة ينحط عن أدنى مراتب النبوة وليس من الحكمة اختيار