التَّأْكيد حصل بالتكرير ثانيًا وتفخيم الأحكام المختتمة. عطف المعلول عَلَى العلة ؛ إذ التَّفْخيم
نشأ من التكرير لأن ما هُوَ فخيم مما يعتنى بشأنه فيوجب زيادة تقرير وذلك بالتكرير ويقويه
التَّعْبير بلفظ (ذلك) الموضوع للبعد المكاني فنزل بعد المكانة منزلة البعد المكاني والإشَارَة
وإن كان للتبيين فتفخيمه يستلزم تفخيم المبين فهو طريق الكناية طريق برهاني يكتسب منه
تفخيم أيضًا.
قوله: (وفصل الأولين بما هُوَ المقتضي لذلك) وفصل الأولين بتخفيف الصاد أي
أورده في الفاصلة بما هُوَ المقتضي بوزن اسم الْفَاعل لذلك وهو علمه وحكمته تَعَالَى لأن
علمه تَعَالَى بالأحوال وحكمته فيما يشرع للعباد يقتضي ذلك التبيين .
قوله: (وهذا بما هو المقصود منه فقال:(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي الحق
والخير في الأمور) وهذا أي وفصل هذا بما هُوَ المقصود منه وهو التعقل الْمَذْكُور ؛ إذ
الإذن في دخول هَؤُلَاء الْمَذْكُورين وبيان طريق الدخول يقتضيه ترجي تعلقهم الحق
والخير من الأمور .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ
يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ
لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
قوله: (الكاملون في الإيمان من صميم قلوبهم) الكاملون في الإيمان قيده به
لتصحيح الحصر وأما صحة حمل الموصول الواقع خبرًا للمبتدأ فبملاحظة قيد عن صميم
القلب كما قيده المص به وبه يحصل التعريض بالْمُنَافقينَ ثم زاد التعريض بقوله:(وإذا
كانوا معه)الآية. بأن الذاهب بغير إذن ليس بمؤمن كامل إيمانه نافع عند ربه
حيث جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان باللَّه والإيمان برسوله ولكون الْمُرَاد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفصل الأولين بما هُوَ المقتضي لذلك، وهذا بما هُوَ المقصود أي فصل الأولين بما
يقتضي ما فيهما من تبيين الآيات حيث ذكر بعدهما (والله عليم حكيم) فإن كونه تَعَالَى عليمًا
بأحوالهم حكيما فيما شرع لهم يقتضي أن يبين لهم الآيات التي هي أحكام الشرع وفصل هذا بما
هو المقصود منه. أي من تبيين الآيات وهو أن يتعقلوا ما هُوَ الحق والخير في الأمور فإن الْحكْمَة
والغاية المقصودة من تبيين الآيات لعباده أن يتدبروا الحق والخير في جميع الأمور ويعقلوهما. قوله
أي الكاملون في الإيمان يريد أن الحصر المُسْتَفَاد من إنما هُوَ حصر الْكَمَال وإلا فترك الثالث بعد
الاتصاف بالأولين ليس بمخرج للعبد من أصل الإيمان لكن يخرجه من كماله .