قَوْلُه تَعَالَى: (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17)
قوله: (وكثيرًا أهلكنا. [مِنَ الْقُرُونِ] بيان لكم وتمييز له) وكثيرًا الخ. أي كم خبرية من
القرون تمييز له فيكون كم منصوب المحل عَلَى أنه مَفْعُول [أهلكنا] .
قوله: (من بعد نوح كعاد وثمود) من لابتداء الغاية متعلق بـ أهلكنا ومن الأول زائدة
غير متعلق معنى قيل ولاخْتلَاف معنييها في الموضعين جاز تعلقها بـ أهلكنا وكون من الثانية
للابتداء غير مقطوع به؛ إذ قد صرح الْمُصَنّف في سورة الأنعام جواز زيادته في من بعد ومن
قبل، وقد صرح في مغني اللبيب أَيْضًا فمن [حِينَئِذٍ] زائدة في الموضعين لما ذكر نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ
في أول السُّورَة قيل من بعد نوح ولم يقل من بعد آدم وشيث عليهما السلام مع أنه أول نبي
حلت [بقومه] العقوبة العظمة كعاد وثمود. أي قوم هود أي قوم صالح.
قوله: (وَكَفى بِرَبِّكَ) الباء زائدة كما مر. الباء في بذنوب صلته كفى عباده في مثل هذا
المقام ليس للتعظيم بل للتوبيخ.
قوله: (يدرك بواطنها وظواهرها) بواطنها معنى خبيرًا وظواهرها معنى بصيرًا وفَائدَة
الجمع التَّنْبيه عَلَى أن أسرارها ما ظهر منها سيان في تعلق العلم.
قوله: (فيعاقب عليها) أشار به إلَى أن فَائدَة الإخبار بكونه خبيرًا كناية عن إخبار عقابهم
عليها وأن الْمُرَاد التعلق الحادث الذي عليه الْجَزَاء وهو العلم بأن الذنوب قد وجدت الآن أو
قبل لا التعلق القديم الذي هُوَ العلم في الأزل بأن الذنوب ستقع من هَؤُلَاء العباد.
قوله: (وتقديم الجر لتقدم متعلقه) وهو الباطن المعلوم فإنه مقدم إما في الوجود
كالنسبة والخلق فإن النسبة لا جرم مقدمة عَلَى الْأَعْمَال المعنوية والخلق سواء كان حسنًا أو
قبيحًا منشأ الْأَعْمَال الحسنة والسنة والإيمان مقدم عَلَى سائر الْأَعْمَال والأركان فلا حاجة
إلى الْقَوْل بأنه مقدم رتبة فإن العبرة في الطاعة والعصيان للبواطن ففي الْحَديث:"إن اللَّه لا"
ينظر إلَى صوركم وأعمالكم بل ينظر إلَى قلوبكم ونياتكم"وإن شئت فاجمع بَيْنَهُمَا."
والارتباط بما قبله هُوَ أن فيه تنبيهًا عَلَى أن سبب الهلاك الذنوب وإنه لا يخرج عن علمه
مثقال ذرة من صغيرة وكبيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: يدرك ظواهرها وبواطنها لف ونشر غير مرتب فإن ظواهرها ناظر إلَى معنى بصيرًا
وبواطنها إلَى معنى خبيرًا قدم الظواهر في التفسير مع أن البصير مؤخر ذكرًا وأخر البواطن مع أن
الخبير مقدم في الذكر لأن المدركات بالبصر أظهر وإدراكها أسرع وأقدم بالسنة إلَى المدركات
بباقي الحواس.