قَوْلُه تَعَالَى: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ(66)
قوله: (فصارت الأنباء كالعُمي عليهم لا يهتدي إليهم) أشار به إلَى الاسْتعَارَة العُمي
بضم العين وسكون الميم جمع أعمى. قوله لا يهتدي إليهم بيان معنى العمي وإشَارَة إلَى
العلاقة ووجه الله .
قوله: (وأصله فعموا عن الأنباء لكنه عكس للمُبَالَغَة) وأصله أي الظَّاهر إذا لم يرد
المُبَالَغَة فعموا ؛ إذ العمى حقيقيًا أو مجازيًا شأن العقلاء. قوله للمُبَالَغَة أي إن عماهم بلغ مبلغًا
تخطى إلَى أنبائهم ففيه قلب مع الاسْتعَارَة ؛ إذ العمى اسْتُعيرَ لعدم الاهتداء فالْكُفَّار لا يهتدون
إلى الأنباء فهم من هذه الحيثية عمون ثم قلب وأثبت العمى للأنباء للمُبَالَغَة في عماهم لما
مر وتعديته بـ على لما سيأتي من تضمينه معنى الخفاء .
قوله:(ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يقبض ويرد عليه من خارج فإذا أخطأه لم
يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد بالأنباء ما أجابوا به الرسل)ودلالة عَلَى أن ما يحضر الذهن
الخ. هذا أكثري لا كلي لكنه ينفع فيما نحن فيه؛ لأن جوابهم للرسل من قبيل ما استحضر في
الذهن بعد غيبته وذهولهم عنه فهو إنما يرد عَلَى الذهن من الخارج. قوله فإذا أخطأ الذهن ولم
ينصب عليه من خارج لم يكن له سبيل عَلَى اسْتحْضَاره كمن لم ير شخصًا لا سبيل له إلَى
اسْتحْضَاره في الذهن أو رآه وزال عنه صورته رأسًا فلا يقدر عَلَى اسْتحْضَاره، وهنا لما جعل
الأنباء الوارد عليهم من الخارج عمى لا يهتدي إلَى أذهانهم علم أن سبب عماهم عدم فيض
الأنباء من خارج لكمال الدهشة، ولو لم يعكس بل ورد عَلَى مقتضى الظَّاهر لم يفهم هذه النُّكْتَة
الأنيقة وعن هذا اخْتيرَ القلب فما وقع في النظم الجليل مطابق لمقتضى الحال .
قوله:(أو ما يعمها وغيرها، فإذا كانت الرسل [يتتعتعون] في الجواب عن مثل ذلك من الهول
ويفوضون إلى علم الله تعالى فما ظنك بالضُّلال من أممهم) أو ما يعمها. أي يعم الأنباء
المجاب بها الرسل وكل ما يمكن الْجَوَاب به لكن مقتضى السوق الأول وعدم التعميم
والتعتعة بتاءين فوقيتين وعينين مهملتين التردد في الْكَلَام لحصر أوعى وهذا إشارة إلَى قَوْله
تَعَالَى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) الآية.
قوله: (وتعدية الْفعْل بـ على لتضمنه معنى الخفاء) وتعدية الْفعْل أي عميت بـ على
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: إذا كانت الرسل [يتتعتعون] عَلَى صيغة المجهول من تعتعت الرجل إذا عتلته إذا جذبته
جذبًا عنيفًا وأقلقته. أي إذا كان الرسل يقلقون ويتحيرون من هول ذلك اليوم وذلك قَوْلُه تَعَالَى:
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(109) .
فما ظنك [بالضُّلال من] أممهم .