قوله: (ولذلك قدم رسولًا مع أنه أخص وأعلى) عند الْجُمْهُور لأن كل رسول نبي
وليس بالعكس والأعم يستحق التقديم؛ إذ ذكر العام بعد الخاص لا يفيد إلا بالتمحل مثل ما
ذكر هنا. ولو قيل إن الرَّسُول [بالمعنى] اللغوي وأنه أعم من النَّبيّ بالْمَعْنَى اللغوي؛ إذ ليس كل
مرسل نبيًا لأنه قد يرسل بنحو عطية ومكتوب لم يبعد. قوله وأعلى لاستلزامه النبوة
والْمُنَاسب للترقي التدرج إلَى الأعلى كما أن الْمُنَاسب للتنزل انتقال من الأعلى إلَى الأدنى
لكن يرد عليه أن الرَّسُول مأخوذ في مفهومه الإنباء عن اللَّه تَعَالَى فإشكال أن ذكر العام بعد
الخاص لا يفيد غير مندفع بما ذكر، إلا أن يقال إن معنى الإنباء مجرد عن مفهومه وبالتجريد
يبقى معنى الإرسال بالْكتَاب أو بالشرع الجديد فيظهر كون مرتبة الرسالة مقدمة عَلَى مرتبة
النبوة وإلا لا [تنفك] النبوة عن الرسالة. نقل الطيبي عن بعض العلماء أنه قال لو قيل هنا إنه
من النبوة بدليل قوله: (مَكَانًا عَلِيًّا) . والْمَعْنَى رفيع القدر عَلَى غيره من الرسل
ليكون معنى آخر أخص هنا كان أظهر انتهى. ولعل وجهه ما ذكرناه من الإشكال الذي أورد
على ما ذكره المص، وأنت خبير بأن ما ذكره غير مُتَعَارَف اسْتعْمَاله في الْقُرْآن ولا في غيره
ولم ينقل عن أحد أن النَّبيّ أخص بل هُوَ أعم أو المساوي فالتفصي عن ذلك الإشكال
الْقَوْل بالتجريد لأنه قول سديد، ولعل قول المص أرسله الله إلَى الخلق فإنباؤهم عنه إشَارَة
إلى التجريد. قوله مع أنه أخص باعْتبَار أصله.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا(52)
قوله: (من ناحيته اليمنى من اليمين، وهي التي تلي يمين مُوسَى) من اليمين أي
المقابل لليسار ولما لم يكن للطور يمين ويسار نبه عَلَى الْمُرَاد فقال وهي التي تلي يمين
مُوسَى ووصف جانب الطور بالأيمن لوقوعه في جانب اليمين فيكون مَجَازًا في النسبة. قوله
من اليمين الخ. أي الأيمن مأخوذ من اليمين لشهرة اليمين لا لكونه مشتقًا منه.
قوله: (أو من جانبه الميمون من اليُمْن) أي مُشْتَق منه والأيمن بمعنى الميمون
والمبارك؛ إذ الظَّاهر أنه [حِينَئِذٍ] اسم تفضيل بمعنى الْمَفْعُول مثل أحب فالوصف عَلَى ظاهره.
قوله: (بأن يمثل له الْكَلَام من تلك الجهة) وهو إشارة إلَى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ تلقى من ربه
تلقيًا روحانيًا ثم تمثل ذلك الْكَلَام لبدنه وانتقل إلَى الحس المشترك فانتقش به من غير
اخْتصَاص بعضو أو جهة بل يسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء كذا قاله في سورة طه.
فقوله هنا من تلك الجهة ناظر إلَى التمثل فالتمثل من تلك الجهة والسمع من جميع الجهات.
قوله: (تقريب تشريف شبهه بمن قربه الملك لمناجاته) أي الاسْتعَارَة تمثيلية فتأمل
وكن عَلَى بصيرة وفي يمثل إشَارَة إلَى أن الكلام اللفظي مثال للكلام النفسي بمعنى أنه يدل
الْكَلَام اللفظي عَلَى الْكَلَام النفسي دلالة عَقْليَّة فلا يلزم من حدوث المثال والدال حدوث
الممثل والمدلول دلالة عَقْليَّة. وفي شرح العقائد للنحرير التفتازاني، وأما الْكَلَام القديم الذي
هو صفة الله تَعَالَى فذهب الأشعري إلَى جوازه سماعه ومنعه الأستاذ أبو إسحاق
الإسفراييني وهو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه اللَّه تَعَالَى فمعنى قَوْلُه تَعَالَى: (حتى