قوله: (والفاء الأولى للتعقيب والثانية للجزاء) أي فاء فإن انتهوا للتعقيب لأن الانتهاء
لا يكون إلا بعد المقاتلة وعقيبها والمقاتلة سبب لذلك أَيْضًا فهي للسببية [حِينَئِذٍ] التحفيب .
قَوْلُه تَعَالَى: (الشَّهْرُ الْحَرامُ بالشَّهْر الْحَرام وَالْحُرُماتُ قصاصٌ فَمَن اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بمثْل
مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقينَ (194)
قوله:(قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة واتفق خروجهم لعمرة القضاء
فيه وكرهوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته)قاتلهم المشركون أي بترامي سهام وحجارة كما روي
عن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في سورة الفتح. والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لما كان صلح الحديبية
سببًا لفتح مكة وفراغ رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ بسَبَب الصلح لسائر العرب، كَمَا صَرَّحَ به في
سورة الفتح كان سببًا أَيْضًا لقتال الْمُشْركينَ؛ ولهذا عبر عن صلح الحديبية بالمقاتلة .
قوله: (فقيل لهم هذا الشهر بذاك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به) فقيل لهم أي للمسلمين
هذا الشهر أي هذا الشهر الذي كنتم فيه مقابل بذلك الشهر الذي هُوَ فيما مضى من الشهر
الحرام الذي قاتلكم المشركون. وهتكه أي هتك حرمة الشهر الذي تُريدُونَ عمرة القضاء فيه
مقابل بهتك حرمة الشهر الذي قاتلكم المشركون فيه فلا تبالوا به أي بهتكه لأنهم بدءوا
هتكه، فالعهدة عليهم لا عليكم وإعادة الشهر الحرام للتنبيه عَلَى تغايرهما، والْمُرَاد بالأول
الشهر الذي يراد فيه عمرة القضاء وبالثاني الشهر الذي قبله، والباء للمقابلة وهذه الْجُمْلَة
خبر لفظًا وإنشاء معنى ولهذا قال المص فلا تبالوا به أي بهتكه لأنكم مأذونون من طرف
الشرع كما يشعر به وَالْحُرُمَاتُ قصَاصٌ احتجاج عليه أي عَلَى جواز هتكه بمقابلة هتكه لأن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: قاتلهم المشركون. قيل فيه نظر لبيان عام الحديبية لم يكن فيه قَالَ من الْمُشْركينَ بل
صد عَلَى ما روي عن البخاري وأجيب عنه بأن الْمُرَاد أن الْمُشْركينَ في معرض القتال فقاتلهم
مجاز حيث أريد به أنهم أرادوا القتال لأنهم صدوا الْمُؤْمنينَ، وظَاهر منه أن الْمُؤْمنين لو لم يرجعوا
من البيت لقاتلهم، فالْمَعْنَى الشهر الحرام الذي تُريدُونَ أن تدخلوا مكة وتنقضوا عمرتكم وهو ذو
القعدة بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه عن البيت وهو أَيْضًا ذو القعدة فقد هتكوا حرمة الشهر
بالصد والتعرض للقتال فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم في العام القابل فإن منعوكم فاقتلوهم
وأجاب عنه بعضهم بأن صاحب الكَشَّاف قَالَ في تفسير سورة الفتح لم يكن فيه قتال شديد بل ترام
بين القوم بسهام وحجارة وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ارموهم حتى أدخلوهم ديارهم وهذا لا
ينافي ما ثبت في كتب الْحَديث أنه لم يكن في كتب الْحَديث أنه لم يكن في شهر ذي القعدة قتال
فأمكن الجمع بين الروايتين .