العدوان نفسه للتنبيه عَلَى أن اللائق للمكلف أن لا يفعله وعدم تحققه في نفس الأمر.
قوله: (أو سمي جزاء الظلم باسمه للمشاكلة كقوله(فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه
بمثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)لما بين أن ترتب الْجَزَاء عَلَى الشرط بأنه من باب
وضع علة الْجَزَاء مقامه حاول بيان وجه تسمية الْجَزَاء بالظلم مع أنه ليس بظلم فقال وسمي
جزاء الظلم باسم الظلم للمشاكلة لوقوعه في صحبته تحقيقًا وإن اعتبر نفس المشاكلة علاقة فيها
ونعمت وإلا فعلاقته المشابهة لكونه في صورته. والْمَعْنَى لا تفعلوا ما هُوَ في صورة الظلم
مجازاة له بمثله إلا عَلَى الظَّالمينَ كقَوْله تَعَالَى: (فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) الآية.
كما سيجيء قريبًا فالمشاكلة في قوله: (فَاعْتَدُوا عَلَيْه) . والْمَعْنَى وافعلوا ما هُوَ
في صورة اعتداء من اعتدى بمثله، وهذا الْفعْل مشروع ليس باعتداء ما لم يتجاوز المثل لكنه عبر
بالاعتداء للمشاكلة التحقيقية .
قوله: (أو أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم) عطف عَلَى
قوله: فلا تعتدوا عَلَى المنتهين وتوجيه آخر لترتب الْجَزَاء عَلَى الشرط لما بين أولًا أنه من إقامة
علة الْجَزَاء مقامه أَشَارَ إلَى أنه يجوز أن الْمَذْكُور سبب للجزاء. والْمَعْنَى فإن انتهوا فلا تتعرضوا
لهم لئلا تكُونُوا ظالمين فيسلط الله عليكم من يعدو عليكم أولًا لأن العدوان لا يكون إلا عَلَى
الظَّالمينَ وهذا معنى قول المص وينعكس الأمر عليكم وهذا لا يغاير الوجه الأول إلا بالتقدير؛
إذ المقدر في الأول فلا تعتدوا وهنا فلا تتعرضوا، فالأحسن أن يقال إن مراده إن قوله فلا عدوان
الخ. كناية عن معنى فإن انتهوا يسلط الله عليكم من يعدو عليكم عَلَى تقدير تعرضكم لهم
لصيرورتهم ظالمين بذلك، ولا يخفى أن فيه تكلفًا؛ ولذا أخَّره وقدم الوجه الأول.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالمينَ) [لكونه] واردًا عَلَى طريق القصر مشتمل عَلَى نفي وإثبات
وإنَّمَا بين الظَّالمينَ بقوله غير المنتهين أن غير الظَّالمينَ هم المنتهون فيكون النفي وهو لا تظلموا
غير الظَّالمينَ معناه لا تظلموا المنتهين وهذا الْجَوَاب يتم بمجاز وكناية أما الْمَجَاز فهو جعل الْجُمْلَة
الخبرية إنشائية، وأما الكناية فهي إرادة المنتهين عن غير الظَّالمينَ فورد عَلَى هذا الوجه سؤال وهو
أن الظلم عَلَى الظالم كَيْفَ يتصور فإن ما يفعل بالظالم لا يكون ظلمًا، بل عدلًا وجزاء ظلم فدفعه
بأن جزاء الظلم سمي ظلمًا للمشاكلة كقَوْله تَعَالَى (وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مثْلُهَا) وأما
تقرير الوجه الثالث فهو أن قوله: (فلا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالمينَ) ليس بجزاء بل
هو سبب الْجَزَاء بالْحَقيقَة. والْمَعْنَى فإن انتهوا عن الشرك فلا تتعرضوا لهم فإن التعرض لهم بعد
الانتهاء عن الشرك ظلم وعدوان، ولا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالمينَ فظهر الفرق بين هذه الأوجه الثلاثة
فإن قَوْلُه تَعَالَى: (فلا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالمينَ) جزاء عَلَى الأولين لكن أول
الأولين بحسب أحد الشقين. وثانيهما بحسب الشقين وليس بجزاء عَلَى الثالث فليحسن التأمل من
نظر في هذا المحل فإنه من نفائس المواضع.