للمحبوبين ودماء للمحجوبين فالْقُرْآن هدى للناس لكن المنتفعون به هم الأسماء السالمون
وللإمام مقال هنا يتحير منه العقلاء الكاملون.
قوله: (واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه) أي تقرر ذلك الكفر المزداد في قُلُوبهمْ
أشار به إلَى أن الْمُرَاد قوم مَخْصُوصون صفتهم ذلك الاستحكام فلا ينافيه إسلام بعض منهم
بتوفيق الله تَعَالَى وإن أبقى عَلَى العموم يكون عالمًا خص منه البعض.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ
وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126)
قوله: (أَوَلا يَرَوْنَ) الهمزة للإنكار الواقعي للتوبيخ فيكون تقريرًا للمنفي ومن
هذا يقال في مثل هذه الهمزة للتقرير والواو للعطف عَلَى مقدر عَلَى ما اختاره الْمُصَنّف في
بعض المواضع وقد ذهب إليه جماعة من النحاة أو للعطف عَلَى ما قبله والهمزة مؤخرة
معنى أي وألا يرون والتَّفْصيل في مغني اللبيب والهمزة للتعجب (يعني الْمُنَافقينَ) .
قوله: (وقرأ حمزة بالتاء) الظَّاهر أنه خطاب للْمُؤْمنينَ وإن كان خطابًا للْمُنَافقينَ
يكون التفاتًا في الموضعين.
قوله: (يبتلون) أي الفتنة بمعنى الابتلاء بالمصيبة.
قوله: (بأصناف البليات) إما انقسام الآحاد عَلَى الآحاد أي يبتلى كل منافق بابتلاء
مَخْصُوص به، أو أصناف البليات أصابت كل واحد منهم فحِينَئِذٍ استفادتها من خارج لا من
ظَاهر النظم.
قوله: (أو بالجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات) عطف عَلَى
أصناف البليات بإعادة الجار والجهاد يعدونه مصيبة أو بلية لهم حيث يتأسفون ويتحزنون
حين يشاهدون غلبة الْمُسْلمينَ وعزة الْمُؤْمنينَ وسائر الآيات لأفضل الْمُرْسَلينَ وتأسفهم في
ذلك الحين فوق التأسف بالمرض والشدة إلَى أن يأتيهم اليقين.
قوله: (في كل عام) الاسْتغْرَاق هنا العرفي. أي في كل عام من أعوامهم زمن نفاقهم
مرة أو مرتين، والْمُرَاد مجرد التكبير لا بيان الوقوع حسب العدد الْمَذْكُور وهذا الْمَعْنَى وإن
فهم من قوله (مرتين) كقوله: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) الآية. لكن أريد المُبَالَغَة
فاخْتيرَ ما ذكر في النظم فكلمة (أو) بمعنى بل كقَوْله تَعَالَى:(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ
يَزِيدُونَ)لكن حمله عَلَى الترديد أدخل في إفادة المُبَالَغَة (ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ)
عطف عَلَى (يرون) داخل تحت الإنكار والتوبيخ، والعطف بـ ثم لإشعار باستبعاد أي بعد ما
ابتلاهم بالمصائب الزاجرة عن النفاق والأحوال الفاسدة عدم توبتهم عن تلك الأحوال
الشنيعة بعيد جدًا.
قوله: (ثم لا ينتهون ولا يتوبون من نفاقهم) بيان حاصل الْمَعْنَى لا تقدير الْمَعْطُوف
عليه فإنه لا حاجة إليه؛ إذ التَّوْبَة عبارة عن الندم والانتهاء والعزيمة عَلَى أن لا يعود.